مروان صباح :
الحياة ، منذ أن وعى الإنسان وجوده فوق هذه الأرض ، لم تكن سوى معركة طويلة ضد حدودٍ لا يستطيع تجاوزها ، ولعل أكثر ما يميز التجربة البشرية أن الإنسان لم يكتفِ بمحاولة فهم العالم ، بل سعى باستمرار إلى تحدي قوانينه ، وعلى رأسها قانون الفناء ، فمنذ الحضارات الأولى، انشغل البشر بفكرة الخلود ، وحاولوا منح وجودهم معنى يتجاوز أعمارهم القصيرة ، ولهذا لم تكن الأهرامات المصرية مجرد منشآت حجرية ضخمة ، بل تعبيرًا عن حلم إنساني قديم بالانتصار على الموت ، وترجمةً لعقيدة راسخة آمنت باستمرار الحياة بعد الرحيل ، غير أن التاريخ لم يتوقف يومًا عن تذكير الإنسان بحقيقته الأساسية ، فمهما بلغت قوته ، ومهما تعاظمت إنجازاته ، ومهما توسعت إمبراطورياته ، يبقى عاجزًا أمام النهاية التي تنتظره ، لقد سقط الفراعنة الذين ظنوا أن التحنيط سيحفظ حضورهم الأبدي ، وسقط الملوك والأباطرة الذين اعتقدوا أن عروشهم قادرة على هزيمة الزمن ، وفي النهاية، لم ينجح أحد في التفاوض مع الموت أو تأجيل موعده ، وكأن الحياة تحتفظ دائمًا بابتسامة ساخرة أمام أوهام البشر ، فتمنحهم السلطة والثروة والمجد ، ثم تستعيد كل شيء في لحظة واحدة ، لكن ما ينطبق على الأفراد ينطبق كذلك على الأمم والجماعات ، فكما يقع الإنسان أحيانًا في وهم الخلود الشخصي ، تقع الجماعات أيضًا في وهم الاستثناء التاريخي ، فتتصور أنها قادرة على الإفلات من القوانين التىّ تحكم المجتمعات الأخرى ، وعندما تتضخم هذه الفكرة ، تتحول من مجرد اعتقاد إلى مشروع سياسي وثقافي يعيد تشكيل الوعي الجمعي بأكمله.
في هذا السياق ، تبدو التجربة اليهودية في أوروبا واحدة من أكثر التجارب التاريخية تعقيدًا ، فقد عانى اليهود قرونًا طويلة من التمييز والإقصاء ، وطالبوا، خصوصًا خلال القرنين الثامن والتاسع عشر، بالاندماج في المجتمعات الأوروبية ونيل حقوقهم المدنية والسياسية أسوةً بغيرهم من المواطنين ، غير أن هذا المسار أثار نقاشات فكرية عميقة ، كان من أبرزها ما طرحه الفيلسوف الألماني كارل ماركس في كتاباته حول المسألة اليهودية ، حين ناقش العلاقة بين التحرر السياسي والتحرر الإنساني ، وبين المواطنة والانتماءات الخاصة ، وقد انطلق ماركس من فكرة مفادها أن التحرر لا يكتمل بمجرد إزالة القيود القانونية ، بل يتطلب تجاوز البنى الفكرية التىّ تعيد إنتاج العزلة والانغلاق ، فالجماعات التىّ تتعرض للاضطهاد لا تصبح بالضرورة أكثر عدالة بعد تحررها ، بل قد تعيد إنتاج أشكال جديدة من التمييز إذا لم تخضع تجربتها لمراجعة نقدية عميقة ، ومن هذه الزاوية، ينظر المفكرين والنقاد إلى المشروع الصهيوني بوصفه أحد أبرز تجليات هذه المفارقة التاريخية ، فالحركة التىّ نشأت بدعوى حماية اليهود من الاضطهاد الأوروبي انتهت إلى تأسيس دولة قومية على أرض فلسطين ، ما فتح بابًا لصراع طويل ما زالت آثاره مستمرة حتى اليوم ، وبينما كان اليهود في أوروبا يطالبون بالمساواة والاعتراف ، وجد الفلسطينيون أنفسهم في مواجهة مشروع سياسي أنتج أنماطًا مختلفة من الإقصاء والهيمنة والحرمان من الحقوق ، ولعل المفارقة الأكثر إيلامًا أن إسرائيل ، التىّ نشأت في عالمٍ أخذ يتجه نحو الدولة المدنية الحديثة ، احتفظت في بنيتها السياسية والقانونية بعناصر تجعل الهوية القومية والدينية عاملًا حاسمًا في تعريف المواطنة والحقوق ، وبينما تقوم الديمقراطيات الحديثة على فكرة الفرد بوصفه مواطنًا متساويًا أمام القانون ، بغض النظر عن خلفيته الدينية أو العرقية ، بقيت إسرائيل تواجه تساؤلات متزايدة حول مدى انسجام نموذجها مع هذه المبادئ ، غير أن جوهر الإشكالية لا يكمن فقط في طبيعة الدولة أو سياساتها ، بل في ظاهرة أعمق تتعلق بالعزلة ذاتها ، فالعزلة ليست دائمًا نتيجة حصار يفرضه الآخرون ، بل قد تتحول إلى خيارٍ تتبناه الجماعات عندما تقتنع بأنها استثنائية، أو أنها تعيش خارج الشروط التىّ تحكم بقية البشر ، وعند هذه النقطة تبدأ المشكلة الحقيقية، لأن الجماعة المنغلقة على ذاتها تفقد تدريجيًا قدرتها على رؤية العالم كما هو ، وتبدأ في رؤيته كما تتخيله هي .
هذه الفكرة جسدها الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز بصورة مدهشة في روايته الشهيرة «مئة عام من العزلة». ففي قرية “ماكوندو”، لم تكن العزلة مجرد حالة جغرافية، بل تحولت إلى قدرٍ نفسي وتاريخي ، ومع مرور الزمن ، أصبحت القرية تدور داخل دائرة مغلقة من الأوهام والتكرار ، حتى بدا وكأن سكانها محكومون بإعادة إنتاج أخطائهم جيلاً بعد جيل ، لم يكن سقوطهم نتيجة قوة خارجية بقدر ما كان نتيجة انقطاعهم التدريجي عن الواقع وعجزهم عن التعلم من تجاربهم ، وربما تكمن أهمية هذه الاستعارة الأدبية في أنها تتجاوز حدود الرواية لتصبح تفسيرًا لكثير من الظواهر السياسية المعاصرة ، فالمجتمعات التىّ تبني هويتها على الخوف الدائم ، أو على الشعور بالتفوق والاستثناء ، تجد نفسها مع الوقت محاصرة داخل أسوارٍ غير مرئية ، إنها ترى الآخرين تهديدًا مستمرًا ، وتتعامل مع العالم باعتباره خصمًا دائمًا ، فتتحول القوة التىّ امتلكتها لحماية نفسها إلى أداة تعمق عزلتها وتزيد اغترابها ، ولا تقف هذه الدلالة عند «مئة عام من العزلة» وحدها ، بل نجد امتدادها في رواية «الطاعون» لألبير كامو ، حيث تتحول مدينة وهران إلى فضاء مغلق يعيش سكانه تحت وطأة الخوف والعزلة ، ومع تصاعد الأزمة، يكتشف الأفراد أن محاولات الاحتماء بالجدران أو الأوهام لا تمنحهم الخلاص ، وأن مواجهة المصير الإنساني المشترك تتطلب الاعتراف بالواقع والتضامن مع الآخرين ، ومن هذه الزاوية ، تبدو العزلة السياسية أو القومية ، مهما امتلكت من أدوات القوة ، عاجزة عن إنتاج الأمن الدائم إذا كانت قائمة على استبعاد الآخر أو تجاهل حقائق التاريخ .
ومن هنا يمكن فهم جانب من المأزق الإسرائيلي المعاصر ، فالدولة التىّ تمتلك واحدة من أقوى المؤسسات العسكرية والتكنولوجية في المنطقة ما زالت تعيش هاجس الخوف الوجودي ، وما زالت تنظر إلى محيطها من خلال منطق الحصار والصراع الدائم ، وفي المقابل، يواصل الفلسطينيون العيش تحت وطأة الاحتلال والحصار والحرمان ، في مشهد يعكس استمرار دورة تاريخية لم تنجح القوة في إنهائها، كما لم تنجح في خلق سلام حقيقي أو استقرار دائم .
وفي النهاية ، يبدو أن الدرس الذي تجاهله الفراعنة قد تجاهلته أمم كثيرة من بعدهم وفي مقدمتهم إسرائيل ، فالإنسان لا ينتصر على الموت ببناء الأهرامات ، كما لا تنتصر الدول على التاريخ ببناء الجدران ، وما يمنح الأفراد أو الأمم خلودهم الحقيقي ليس القوة المجردة ، ولا الشعور بالاستثناء ، بل قدرتهم على إنتاج العدالة والاعتراف بالآخر والانفتاح على العالم ، أما العزلة، مهما بدت حصنًا منيعًا ، فإنها تتحول مع الزمن إلى سجنٍ واسع ، لا يمنع سقوط أصحابه بقدر ما يؤجل لحظة إدراكهم لحقيقة وجودهم.
