بتلر وسعاده: الهوية بين التفكيك والبناء العضوي

سعاده عبد الرحيم:

الهويات الجنسية للأطفال وهوَس "الجندر" » أبواب Abwab(قراءة ناقدة من منظور القومية الاجتماعية)

 
تمهيد: من يتكلم ومن أي موقع؟
جوديث بتلر (1956–الآن) فيلسوفة أمريكية، تشتهر بنظرية “أداء الجنس”، ونقد الهويات الجامدة، ومفهوم “هشاشة الحياة”، ودفاعها عن حقوق المهمشين. تركز على كيفية استبعاد بعض الأرواح من دائرة “الذين يعتد بهم”. تكتب من داخل الأكاديميا الأمريكية المستقرة، حيث الدولة قائمة والمؤسسات تعمل، والصراع ليس صراع وجود بل صراع توسع وهوية.
أنطون سعاده (1904-1949) مفكر النهضة السورية القومية الاجتماعية، أسس فلسفته على “الإنسان المجتمع”: الأمة واقع طبيعي، وحدة عضوية حية، تنشأ عبر التفاعل الأفقي (بين أبناء البيئة فيما بينهم) والتفاعل الشاقولي (أبناء البيئة مع الأرض). يرى أن الفرد لا يوجد خارج أمة. كتب تحت الانتداب الفرنسي وتقسيم سورية الطبيعية، حيث الصراع ليس صراع هوية فقط، بل صراع وجود: فلسطين تُسلب، لبنان تجزأه الطائفية، سورية/ الشام مرشحة للتُقسيم الان، والكيان الصهيوني التوسعي يهدد وجود الأمة السورية في فلسطين ولبنان وسورية/ الشام.
هذا الاختلاف في السياق يفسر لماذا تركز بتلر على “تفكيك الهويات الجامدة” بينما يركز سعاده على “نهضة الأمة” كشرط مسبق لأي عمل.
تنبيه: هذا المقال ليس محاولة لتفنيد بتلر، بل هو قراءة ناقدة من منظور فكر سعاده، مع اعتراف بنقاط القوة في كل موقف. اعترف بتحيزي لسعاده (وهذا معلن)، ويعتمد في فهمي لبتلر على اطلاع غير معمق، وليس على قراءة متعمقة لأعمالها.
أولاً: جوديث بتلر – لمحة
بتلر تؤمن بـ:
· أداء الجنس: الجنس ليس هوية طبيعية، بل “أداء” يفرضه المجتمع.
· نقد الهويات الجامدة: الهويات الثابتة (كالقومية العرقية) تؤدي إلى إقصاء الآخر.
· هشاشة الحياة: البشر كائنات هشة، والاعتراف بهشاشة الآخرين هو أساس الأخلاق.
· نقد العنف: تنتقد العنف السياسي، وتشكك في شرعيته حتى باسم الدفاع عن الوطن.
ما يحتاج إلى توضيح (إنصافاً لبتلر): بتلر لم تطلب من الضحية الاستسلام. بل دعت إلى الاعتراف بأن المستعمر أيضاً هش، ليس لتبرير قمعه، بل لمنع دوامة العنف من أن تصبح بلا نهاية. كما أنها كتبت عن الحداثة والسياسة (“Precarious Life”)، وعن كيف يمكن للخسارة الجماعية أن تؤسس لمجتمع أكثر عدلاً. ونقدها للقوميات الأوروبية (التي تقوم على العرق أو اللغة أو الدين) هو نقد وجيه، ولا ينطبق على نموذج سعاده كما سنرى.
ثانياً: أنطون سعادة – “الإنسان المجتمع” وبناء الأمة
سعاده أسس فلسفته على مفهوم “الإنسان المجتمع”: الأمة واقع طبيعي = وحدة حياة عضوية، تنشأ عبر تفاعل أبناء البيئة مع بعضهم (تفاعل أفقي) ومع الأرض (تفاعل شاقولي). الكائن الأخلاقي المركزي في فلسفته ليس “الفرد الهش” ولا “الفرد الواعي”، بل “الإنسان المجتمع” – أي الأمة كوحدة حياة متكاملة.
نشوء الأمم – الفلسفة المدرحية:
في كتابه “نشوء الأمم” (الذي كتبه في السجن بين شباط وأيار 1936)، يشرح سعاده نظريته في نشوء الأمم قائلاً إنها تنشأ من تفاعل عاملين أساسيين: الإنسان والأرض.
· السلالات تتفاعل مع البيئة (بما فيها تنوعها الجغرافي) فيكتسب صفات جسدية وعقلية خاصة.
· السلالات التي تنزل في البيئة تتفاعل فيها فيما بينها تنتج – عبر الزمن – صفات عامة مشتركة تكون المزيج السلالي او السلالة التاريخية.
· عوامل نشوء الأمم هي الأرض والإنسان، لا الدين ولاالعرق ولا اللغة (فهذه ناتجة عن المجتمع وليست أساساً له). الصفاء العرقي وهم، فكل الأمم “مزيج سلالي”.
هذه النظرية لا تخص الأمة السورية وحدها، بل هي قاعدة عامة لنشوء جميع الأمم.
الوحدة في التنوع – لا أقليات بل تنوع:
في النظرة القومية الاجتماعية، لا يوجد “أقليات” في الأمة الواعية بالمعنى السياسي. الكل متساوون في الحقوق والواجبات. ما يُسمى “أقليات” في النظرة غير القومية الاجتماعية هو في الحقيقة تنوع يغني الأمة ولا يضعفها. الهجرات التي تنزل البيئة بعد نشوء الأمة تضفي تنوعاً على الوجود السكاني وتمتزج مع الزمن في نسيج الأمة (تضيف لوناً ونكهة جديدة، لكنها تبقى جزءاً من المزيج).
سعاده يحارب العصبيات العرقية والدينية واللغوية، ويرى هذه العصبيات تُستخدم من قبل الدعوات التي ترغب بالتوسع والسيطرة.
من التجربة: الحزب السوري القومي الاجتماعي في لبنان
الحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي طبق هذه المبادئ داخله، كان الأكثر تنوعاً طائفياً وفي لبنان. خلال الحرب الأهلية اللبنانية، كانت المناطق التي يسيطر عليها الحزب (كمناطق المتن والشمال) هي المناطق التي كان يمكن لأبناء أي طائفة دخولها دون خوف، بينما المناطق التي كانت تسيطر عليها أحزاب طائفية أو قومية عرقية كانت مغلقة أمام “الآخر”. هذا ليس دليلاً على كمال التطبيق، لكنه يشير إلى أن مبادئ سعاده، عندما طُبقت جزئياً، أنتجت واقعاً مختلفاً عن النماذج القومية الأخرى.
القيمة العليا: النهضة – ورفض تقديس الشخص:
في فلسفة سعاده، النهضة القومية ليست مجرد هدف سياسي، بل هي القيمة العليا التي تعلو على كل المصالح الفردية أو الفئوية أو الحزبية الضيقة. صفة النهضة بأنها “مشروع ليس له نهاية أو سقف، يعمل بشكل دائم إلى مجتمع أرقى وحياة أجمل ومثل أعلى”. قال سعاده: “كلما بلغنا قمة تراءت لنا قمم أخرى، وإننا جديرون ببلوغها.”
لم يطلب سعاده أبداً أن يُقدّس شخصه، بل ناهض هذه الفكرة. كان همه الأكبر أن يُقدّس أتباعه القضية والنهضة نفسها.
في خطاب ألقاه في بشامون بتاريخ 3 تشرين الأول (أكتوبر) 1948، قال موضحاً هذا المبدأ:
“إنّ سلامتي في نظري تعني لي هذه التكة ـ (وفقش أصابعه). أجل إنّ سلامتي لم تكن ولا تعني لي إلا تكة (إصبعين). إنّ ما يعني لي شيئاً يمكن أن أتمسك به بكل قواي فهو مبادئ النهضة السورية القومية الاجتماعية.” (الأعمال الكاملة)
بهذه الكلمات، جعل سعاده من حياته ثمناً تافهاً إذا ما قورنت بقضية النهضة.
“الإنسان المجتمع الجديد” = الأمة الواعية لذاتها:
“الإنسان المجتمع الجديد” الذي يلقي سعاده آماله عليه هو الأمة الواعية لذاتها ولمصالحها العليا ومثلها العليا، الخالية من الأمراض الاجتماعية والسياسية (التخلف، الطائفية، التجزئة، الاستعمار). وهذا موجود في صورته المصغرة في الحزب، الذي وصفه بأنه “الأمة مصغرة” – أي نموذج مصغر للمجتمع الذي يسعى لبنائه. الحزب مسؤول عن نقل حالته المتماسكة إلى المجتمع، وإحداث النهضة فيه بناءً على مبادئه.
غاية سعاده هي إحداث النهضة في الأمة السورية، والحزب وسيلة وليس غاية.
الديمقراطية التعبيرية – بديل عن الديمقراطية التمثيلية:
سعادة قال بالديمقراطية التعبيرية كبديل عن الديمقراطية التمثيلية، وطبقها داخل الحزب. تقوم على فكرة أن الوصول إلى السلطة يجب أن يكون للنخبة الواعية (المؤهلة فكرياً وعملياً) القادرة على التعبير عن المصالح العليا للبلاد. هذه النخبة ليست مغلقة، بل تُختار عبر هيئة مستقلة تتغير دورياً.
في الحزب، طبق هذا النظام عبر “رتبة الأمانة” : يحصل عليها الرفيق المحقق لشروطها (التكوين، الفهم، التضحية، النموذجية). كان سعاده يمنحها بنفسه. اليوم، تطورت الآليات إلى هيئة منتخبة لمنح رتب الأمانة، تُنتخب من المجلس القومي، وتتغير كل دورة انتخابية. لا يحق لأعضاء الهيئة بعد انتهاء دورتهم الترشح لعضوية السلطة التشريعية أو المحكمة الحزبية أو رئاسة الحزب لدورة كاملة. حامل الرتبة يحق له الترشح للمجلس الأعلى ولرئاسة الحزب.
تطبيق هذه الآليات على مستوى الدولة لم يعالجه سعاده لأنه استشهد مبكراً، ويحتاج إلى دراسات معمقة وموسعة. في الدولة التعبيرية، يُوضع شروط عامة (تقابل شروط رتبة الأمانة) من يحققها من أي حزب كان يحق له الترشح للسلطة التشريعية ولرئاسة الدولة. عندها لا أكثرية ولا أقلية بالمعنى السياسي، بل مصلحة الأمة هي هاجس أعضاء السلطة التشريعية.
ماذا يعني هذا عملياً؟
1. الأمة هي الوعاء الطبيعي للكرامة: لا كرامة لمن لا أمة له. الفرد المشرد، المنتمي إلى كيان مصطنع طائفي، لا يمكن أن تتحقق له الكرامة الكاملة.
2. الدولة القومية العادلة هي الضامن الفعلي: سعاده يفرق بين “الأمة” (واقع طبيعي) و”الدولة” (تنظيم سياسي). الدولة القومية العادلة هي الإطار الأكثر قدرة على تحقيق العدالة، لأن الفضاء الاقتصادي القومي أوسع ويؤمن اقتصاداً أقوى. سعاده ضد التوسع: الدولة القومية ااموجودة في بيئتها الطبيعية، وإذا خرجت خارج هذه الحدود تصبح دولة إمبراطورية.
3. العدالة تحتاج إلى شرطين: الوحدة الاجتماعية والسياسية أولاً، ثم النظام الاقتصادي الاجتماعي العادل. بدون الوحدة، حديث الدول الكيانية عن العدالة مشوه أو إمكانياته ضعيفة.
4. سعاده يؤمن بالعدالة الإنسانية والتعاطف الإنساني: لكنه لا يجده مجدياً “كتعاطف المجتمعات”. الفرد قد يتعاطف مع الجائع في الهند، لكن تقديمه له يكون بسيطا وكذلك المجتمع الذي لا يضمن قوته وأمنه لا يستطيع تحويل هذا التعاطف إلى فعل.
5. مشروع غير مكتمل: استشهد سعاده مبكراً قبل أن يتمكن من تفصيل نظام الحكم التعبيري على مستوى الدولة. الحزب بعد رحيله تعرض لضربات قاسية حالت دون إكمال البناء، والحلول المرتجلة التي اتخذت في ظروف الاضطهاد زادت الأمور تعقيداً.
ثالثاً: نقاط التلاقي المشروط
قبل النقد، نذكر أين يلتقي سعاده مع بتلر بشكل مشروط:
1. الاعتراف بالألم: كلاهما يرفض اللامبالاة تجاه المعاناة.
2. رفض التمييز: سعاده يرفض القومية التي تقوم على العصبية العرقية أو الطائفية أو اللغوية، وبتلر ترفض التعصب.
3. نقد الدولة الظالمة: كلاهما يرفض الدولة كأداة قهر.
4. الترابط الإنساني: بتلر ترى الترابط في الهشاشة، وسعاده في الإنسانية المشتركة.
5. رفض العنف غير المبرر: كلاهما ضد القسوة، لكن سعاده يفرق بين العنف المشروع (ضد المحتل) وغير المشروع.
رابعاً: نقاط الاختلاف الجوهري (النقد من منظور سعاده)
الاختلاف الأول: الهوية – جوهر نامٍ (أرض وإنسان) مقابل أداء متغير
بتلر: الهوية أداء يمكن تفكيكه. القوميات الجامدة وهم يجب تجاوزها.
سعاده: يفرق بين نوعين من القومية:
· القوميات الأوروبية العنصرية: تقوم على متغيرات (الدين، اللغة، وهم العرق الواحد). هذه القوميات عنصرية توسعية، ونقد بتلر لها صحيح. الهوية اليهودية الصهيونية، على سبيل المثال، يجب تفكيكها لأنها تقوم على استبعاد الآخر وقتله والاستيلاء على ارضه.
· القومية الاجتماعية: تقوم على ثوابت: الأرض المحددة بالحدود الطبيعية (وليس الأرض المطلقة التوسعية)، والإنسان كـ”مزيج سلالي” (وليس عرقاً واحداً). هذا النموذج لا عنصرية فيه (لأنه مزيج)، لا توسع فيه (لحدود طبيعية)، ولا يقوم على دين أو لغة. سعاده يرى أن الهويات التي تقوم على الدين أو اللغة أو العرق – أو عليها مجتمعة – تبرر لمن يعتمدها التوسع والسيطرة. نموذجه خارج هذا النسق تماماً.
النقد من منظور سعاده: ماذا تريد بتلر أن تفكك في أسس الأمة عند سعاده؟ الأمة تنشأ عن تفاعل الأقوام النازلين في البيئة فيما بينهم ومع الأرض. هذه أسس موضوعية (أرض، إنسان، تفاعل)، وليست هويات جامدة يمكن “أداؤها” أو “تفكيكها”. القومية عند سعاده هي وعي الأمة لذاتها بأنها مزيج سلالي مميز، من خلال الآثار المادية التي أقامتها على أرضها ووعيها لوحدة الحياة والمصر والمصالح العليا والمثل العليا.
اعتراف نقدي: نقد بتلر يصيب القوميات الأوروبية والنماذج التي على شاكلتها، لكنه لا يصيب نموذج سعاده لأنه يقوم على أسس مختلفة جذرياً.
الاختلاف الثاني: الهشاشة – هشاشة الأمة أولاً
بتلر: البشر هشاشة مشتركة. الاعتراف بهشاشة المهمشين هو أساس السياسة.
سعاده: هشاشة الفرد تأتي من هشاشة الأمة. في سورية تحت الاحتلال، نسبة الفرد الهش عالية جداً؛ في ألمانيا المستقرة، أقل بكثير. لا يمكن علاج هشاشة الفرد دون معالجة هشاشة الأمة أولاً.
النقد من منظور سعاده: طلب بتلر من الضحية (كفلسطين) الاعتراف بهشاشة المستعمر (الصهيوني) – قبل أن تؤمن خلاصها من هشاشتها هي – يساوي بين الطرفين ظلماً. لو أن غزواً استيطانياً توسعياً عنصرياً أصاب بلد بتلر (أمريكا)، هل كانت ستقبل بهذا الحل؟ هذا ليس حلاً عادلاً، بل هو حل إمبراطوري يريد السلام داخل الإمبراطورية، على حساب حقوق الضحايا. صراع السوريين في (فلسطين، لبنان، سورية/ الشام) ليس صراع حدود، بل صراع وجود مفروض عليهم. كيف تنتهي دوامة العنف والفلسطيني يُطرد من بيته وأرضه مع إلغاء حق العودة؟ كيف تنتهي والعنف اليوم يطال فلسطين ولبنان وسورية/ الشام؟
اعتراف نقدي: الاعتراف بالهشاشة يمنع تفاقم العنف، لكنه يبدأ من الأمة القوية التي تستطيع أن تعترف دون أن تستسلم، لا من الفرد الهش تحت الاحتلال.
الاختلاف الثالث: العنف – شرعية عنف التحرر
بتلر: تنتقد العنف السياسي مطلقاً، وترى أنه يُبقي دائرة القهر.
سعاده: في سياق استعماري، العنف ضد المحتل واجب. الفلسطيني الذي يُطرد من بيته وأرضه بالعنف له حق الدفاع عن نفسه. يفرق بين العنف المشروع (لتحرير الأرض) وغير المشروع (ضد الأبرياء).
النقد من منظور سعاده: بتلر تكتب من سياق أمريكي مستقر. دعوة الضحية إلى “نبذ العنف” في صراع وجود هي دعوة للاستسلام. من خاليات المكاتب الجامعية الغربية – حيث كانت بتلر طوال حياتها – لا يمكن فهم معنى الصراع الوجودي.
اعتراف نقدي: بتلر محقة أن العنف قد يخرج عن السيطرة. سعاده يدرك هذا، ولذلك ربط الثورة بـ”النهضة” (وعي، تربية، تنظيم) مسبقاً، وليس بدعوة عشوائية إلى العنف.
الاختلاف الرابع: الأقلية – تنوع داخلي لا أقليات سياسية
بتلر: تدافع عن حقوق المهمشين (مثليون، أقليات عرقية ودينية) كأولوية.
سعاده: في الدولة القومية تتعرض الاقلية لاضطهاد حقيقي في دول قائمة هويتها الاجتماعية على عصبية العرق او الدين او اللغة. الدولة القائمة هويتها.على القومية الاجتماعية (على الاشتراك الفعلي في الحياة) ، لا وجود لأقليات بالمعنى السياسي، بل تنوع داخلي يغني الأمة. الجميع متساوون بالحقوق والواجبات، بغض النظر عن العرق أو الدين أو اللغة. الذكر والأنثى متساويان.
يجب النظر الى المثلية مشكلة فردية يحلها الطب العام والنفسي .
بما أن الجميع متساوون بالحقوق والواجبات، وأساس النظرة الى الأمة “مزيج سلالي” (لا صفاء عرقي لأحد)، ومع فصل الدين عن الدولة – أين تبقى “مسألة الأقليات”؟
النقد من منظور سعاده: في المجتمعات الطائفية (كلبنان والعراق)، الأقليات السياسية هي أداة بيد المستعمر لتقسيم الأمة. التركيز على “حقوق الأقليات” كأولوية هو لعبة استعمارية. سعاده يرفض تحويل الأقليات إلى أداة استعمارية، لكنه يؤمن بالمساواة الكاملة في الحقوق والواجبات لجميع أبناء الأمة، بغض النظر عن تنوعهم. هذا يضمن حماية الأقليات فعلياً، وليس فقط نفي وجودها.
اعتراف نقدي: بتلر محقة أن بعض الأقليات (كالسود) اقلية تحتاج الى حماية .
النظرة القومية الاجتماعية العادلة هي الضامن لحماية من يتم تسميتهم اقليات ، وليس تفكيك الدولة أو نفي وجود ننوع كفئات اجتماعية.
الاختلاف الخامس: الاختلاف الأكبر – “الإنسان المجتمع” مقابل “الفرد الهش”
بتلر: الكائن الأخلاقي المركزي هو الفرد الهش. السياسة تبدأ من الاعتراف بهشاشته.
سعادة: الكائن الأخلاقي المركزي هو “الإنسان المجتمع” (الأمة). الفرد الهش لا يستطيع حماية نفسه دون أمة قوية وواعية لذاتها.
النقد النهائي من منظور سعاده: فلسفة بتلر تصلح لمجتمعات الرفاهية حيث الدولة قائمة والمؤسسات تعمل. في عالم الاستعمار والتقسيم وصراع الوجود، هي غير مجدية. الحل: قوِّ أمتك، ثم اعترف بهشاشة الآخرين – إذا استطعت.
الاعتراف المتبادل: بتلر تعترف بأن القومية قد تكون رداً مشروعاً على القمع (وهو سياق سعاده). سعاده يعترف بأن القومية قد تتحول إلى تعصب إذا انغلقت على نفسها أو إذا قامت على أسس عنصرية. لكن الحل ليس تفكيك الأمة، بل قومية اجتماعية قائمة على الثوابت (الأرض المحددة طبيعياً، الإنسان كـ”مزيج سلالي”)، مع ديمقراطية تعبيرية تضمن وصول النخبة الواعية إلى السلطة، ومع آليات تمنع تحولها إلى طبقة حاكمة مغلقة.
خامساً: اعترافات نقدية (منصفة لبتلر)
من الإنصاف أن نعترف بأن لبتلر نقاط قوة يمكن استلهامها، بشرط أن تكون ضمن الإطار القومي وليس بديلاً عنه:
1. فضح التعصب تحت غطاء الهويات الجامدة: نقدها للقوميات العنصرية والتوسعية (كالقومية النازية، والصهيونية، والقوميات العرقية) هو نقد وجيه. سعاده يشاركها هذا النقد من موقع مختلف.
2. الاعتراف بالهشاشة كأساس للأخلاق: بتلر محقة أن البشر هشاشة مشتركة، وأن الأخلاق تبدأ من الاعتراف بهذه الهشاشة. سعاده يوافق على المبدأ، لكنه يختلف في ترتيب الأولويات.
3. الانتباه للمهمشين: بتلر تلفت الانتباه إلى فئات مهمشة قد تغفل عنها السياسات القومية. سعاده، في نظامه القائم على المساواة الكاملة والفصل بين الدين والدولة، يضمن حماية هذه الفئات ليس كـ”أقليات” بل كأبناء أمة متساوين في الحقوق والواجبات مع الاعتراف بالتنوع.
4. رفض العنف غير المبرر: بتلر محقة أن العنف قد يخرج عن السيطرة ويخلق دوامة لا تنتهي. سعاده يشاركها هذا القلق، ولذلك ربط الثورة المسلحة بـ”النهضة” (وعي، تربية، تنظيم) كشرط مسبق، وليس بدعوة عشوائية إلى العنف.
سادساً: خلاصة – “الإنسان المجتمع” كبديل عن تفكيك الهوية
ما يقدمه سعاده ليس مجرد نقد لفكر بتلر، بل نظرية بديلة قائمة على بناء الأمة لا تفكيكها:
· القيمة العليا هي النهضة: نهضة لا نهاية لها، تعمل بشكل دائم إلى مجتمع أرقى وحياة أجمل ومثل اعلى. سعاده لم يطلب تقديس شخصه، بل طلب تقديس النهضة نفسها.
· بدلاً من “تفكيك الهوية” (الذي قد يترك الفرد هشاً بلا حماية)، يقدم سعاده بناء “الإنسان المجتمع” – أمة واعية لذاتها، قائمة على أسس موضوعية (الأرض، الإنسان المزيج، التفاعل)، وليس على أوهام عرقية أو دينية.
· بدلاً من “الفرد الهش” الذي لا يستطيع حماية نفسه، يقدم سعاده الأمة القوية التي تحمي أفرادها ثم تساهم في الحضارة الإنسانية.
· بدلاً من “دعوة الضحية إلى الاعتراف بهشاشة المستعمر” (وهو حل إمبراطوري)، يقدم سعاده حق الدفاع عن النفس للأمم المستعمَرة، مع ربط العنف المشروع بوعي وتنظيم وتربية (النهضة).
· بدلاً من “نفي الأقليات” أو “تجميدها كفئات سياسية”، يقدم سعاده تنوعاً داخلياً في إطار أمة واحدة، مع مساواة كاملة في الحقوق والواجبات وفصل الدين عن الدولة.
السؤال الأخير لبتلر من منظور سعاده: كيف تطلبين من الأمة السورية (أو الفلسطيني تحديدا) أن تعترف بهشاشة المستعمر (الصهيوني) قبل أن توحد الفلسطنين وتحرر أرضهم، في صراع وجود مفروض عليهم لا صراع حدود؟ وكيف تطلبين منهم “تفكك هويتهم” قبل أن تبنى الهويه السوريه وهم منها أصلاً؟
وجواب سعاده : لا تبدأ من حيث لا تستطيع. ابدأ بأمتك. قوِّها، وحدها، حررها، طهرها من أمراضها الاجتماعية والسياسية. الأمة القوية الواعية لذاتها وحدها القادرة على الاعتراف بهشاشة الآخرين – دون أن تستسلم لهم. هذه هي الأخلاق العملية لـ”الإنسان المجتمع”.
. بتلر – “تفكيك الهوية”
نقد ختامي: أين يقف “تفكيك الهوية” من التغيير الفعّال؟
بتلر محقة في نقد القوميات العنصرية الجامدة (كالقومية النازية أو الصهيونية). لكنها تخلط بين هذه القوميات وبين القومية الاجتماعية لسعاده القائمة على أسس مختلفة (الأرض المحددة، المزيج السلالي، فصل الدين عن الدولة). فلسفتها تصلح لنقد الهويات التي تقوم على العرق أو الدين، لكنها لا تصلح (ولا تنطبق) على نموذج سعاده الذي يبني هوية قائمة على الاشتراك الفعلي في الحياة. في سياق أمة تحت الاحتلال، الحاجة إلى بناء الهوية (وليس تفكيكها) هي الأولى.
خاتمة: سعاده استشهد مبكراً وترك مشروعه غير مكتمل. الحزب بعد رحيله لم يكمل البناء نتيجة الضربات والاطهادات التي تعرض لها، والحلول المرتجلة زادت الأمور تعقيداً. اليوم، مهمة إكمال هذا المشروع (تفصيل نظام الديمقراطية التعبيرية على مستوى الدولة، آليات تطبيقه، علاقته بمؤسسات الدولة، ومعالجة قضايا لم يتناولها كالهوية الجندرية) ما تزال مفتوحة، وتحتاج إلى جهود جماعية نقدية وليس إلى مجرد تكرار للنص أو قداسته.
نظام سعاده ليس “قداسة” تُعبد، ولا “حل جاهز” يُطبق دون تفكير، بل إطار نظري واعد يحتاج إلى من يكمله ويسأله أسئلة لم تسأل بعد.
ملاحظة حول منظور هذا النص
هذا المقال كُتب من داخل القلق الوجودي السوري، وليس من برج أكاديمي أوروبي. أني متحيز لسعاده (وهذا معلن)، فهمي لبتلر غير عميق كثيرا. هذا المقال هو محاولة لفهم بتلر من منظور سعاده، وليس تفنيدها. النقد مرحب به، شريطة أن يعترف باختلاف المواقع والوسائل المتاحة، وأن يكون مبنياً على قراءة متعمقة لأعمال بتلر وليس فقط على هذا العرض المختصر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *