مروان صباح :
قد يعرف الإنسان الكثير عن الحيوانات ؛ وقد يراقب سلوكها ، ويفهم طباعها ، ويقضي سنوات طويلة بين قطعانها وأسرابها ، لكنه يظل عاجزًا عن النفاذ الكامل إلى عالمها الداخلي ، فالمعرفة لا تعني بالضرورة الفهم ، والقرب لا يضمن الإحاطة بالأسرار ، ولعل هذا ما يفسر افتتان البشر الدائم بالحكايات التىّ تمنح الحيوان صوتًا وعقلاً ، لأنها في حقيقتها لا تتحدث عن الحيوان بقدر ما تتحدث عن الإنسان نفسه ، ومن بين تلك الحكايات تبرز قصة الذئب والكلب ، حكاية ساخرة تختزل جانبًا من التناقض البشري ؛ فالكلب الذي أفنى عمره في الحراسة والوفاء أصبح اسمه مرادفًا للإهانة ، بينما ظل الذئب ، الذي ارتبط في المخيلة بالخطر والافتراس ، رمزًا للشجاعة والدهاء ، قد لا تكون الحكاية أكثر من مجاز أدبي ، لكنها تكشف حقيقة سياسية واجتماعية قديمة : كثيرًا ما تميل المجتمعات إلى تمجيد القوة أكثر من تقدير الوفاء ، وإلى الاحتفاء بمن يخيفها أكثر من احترام من يحميها .فالسخرية ليست مجرد نكتة عابرة تُقال في أوقات الفراغ ، بل هي لحظة وعي حادة يكتشف فيها الإنسان التناقض الكامن بين ما يقال وما يحدث ، بين الصورة التىّ يرسمها عن العالم والواقع الذي يصطدم به ، ولهذا تختلف السخرية السوداء عن الفكاهة التقليدية ؛ فالأخيرة تبحث عن الضحك ، أما الأولى فتولد من رحم الخوف والألم والخذلان ، وحين يقترب الإنسان من الهاوية ، وحين أيضاً يصبح الواقع أكثر قسوة من أن يُحتمل ، يلجأ العقل إلى حيلة غريبة : تحويل المأساة إلى موضوع للسخرية ، لا لأن الكارثة صغيرة ، بل لأنها أكبر من أن تُواجه بالصمت ، وهنا يصبح الضحك فعل مقاومة ، وتتحول النكتة إلى وسيلة للدفاع عن الكرامة الإنسانية في مواجهة ما يبدو غير قابل للهزيمة .
ولعل هذا ما أدركه فولتير مبكرًا ، ففي «كانديد» لم يواجه الحروب والكوارث والاستبداد بالخطابة أو الوعظ ، بل بالسخرية ، كان يعلم أن بعض الأوهام لا يمكن هدمها إلا عبر كشف تناقضاتها ، وأن الضحك قد يكون أحيانًا أكثر فاعلية من الغضب ، فالسخرية لا تكتفي برفض الواقع ، بل تفضح الأسس الفكرية التىّ تبرره ، ويتجلى ذلك بوضوح في المشهد الذي يقف فيه كانديد إلى جانب أستاذه بانجلوس بعد الزلزال المدمر في لشبونة ، فبينما كانت المدينة غارقة في الخراب والضحايا ، ظل بانجلوس يصرّ على أن كل ما حدث هو جزء من «أفضل العوالم الممكنة»، وأن الكوارث نفسها تخدم نظامًا كونيًا مثاليًا ، هنا تبلغ السخرية ذروتها ؛ إذ يضع فولتير خطاب التفاؤل الفلسفي في مواجهة واقع مأساوي صارخ ، فينكشف التناقض بين النظرية والحياة ، فلا يحتاج الكاتب إلى مهاجمة الفكرة مباشرة ، بل يتركها تتهاوى من تلقاء نفسها أمام عبث الموقف ، ليصبح الضحك وسيلة لكشف زيف الأوهام التىّ تتجاهل معاناة الإنسان ، لهذا السبب لم تكن السخرية يومًا أداة ترفيه خالصة ، بل كانت شكلًا من أشكال المقاومة الفكرية ، فكل سلطة تحاول إقناع الناس بأن الواقع ثابت ونهائي ، بينما تأتي السخرية لتذكرهم بأن ما يبدو بديهيًا قد يكون مجرد وهم ، وأن ما يُقدَّم باعتباره حقيقة مطلقة قد لا يكون سوى رواية مؤقتة فرضتها موازين القوة ، ومن هنا أيضًا تنبع وظيفة الكاتب ، فالكاتب الحقيقي لا يمنح القارئ الطمأنينة ، ولا يوزع عليه اليقين ، بل يدفعه إلى إعادة النظر فيما اعتاد تصديقه ، إنه يمارس نوعًا من الشك الخلاق ، ويستخدم السخرية أداةً لتقويض المسلمات وكشف المناطق المعتمة خلف الخطابات المهيمنة .
وربما لهذا السبب تبقى السخرية السوداء واحدة من أكثر أشكال التعبير إثارة للقلق ، فهي لا تعد الإنسان بالخلاص ، ولا تمنحه راحة فكرية مؤقتة ، بل تضعه أمام مرآة قاسية يرى فيها هشاشته وأوهامه وحدود يقينه ، إنها لا تدعوه إلى الضحك على الآخرين بقدر ما تدعوه إلى الضحك على مخاوفه الخاصة ، وعلى العالم الذي يصرّ ، رغم كل شيء ، على أن يبدو أكثر عقلانية مما هو عليه في الواقع .
