ما وراء الواجهة:الدول الكبرى بين هيمنة القوة وفوضى التهريب العابر للحدود..

 
مروان صباح :

لماذا تفشل الدول... وما الذي يجب فعله لانقاذها؟      لا يصحّ الاستهانة بالخفايا التىّ تُدار بها الدول الكبرى ، فالحكاية أبعد بكثير من أساليب الطيور السريعة أو «حمام الزاجل» الذي ارتبط قديماً بعمليات الاستخبارات والبريد السياسي بين الدول ، نحن أمام عالمٍ تبدّلت فيه أدوات السيطرة والنفوذ ، حتى بات الفارق بين زمنٍ وآخر أشبه بالفارق بين حضارتين كاملتين ، كما أنّ الفارق بين دولةٍ وأخرى لا يُقاس فقط بالحجم الجغرافي أو الاقتصادي ، بل بقدرتها على صناعة القوة الحقيقية ، لا القوة المتخيّلة التىّ تقوم على التضخيم الإعلامي والسياسي .

تلجأ بعض الدول الصغيرة والهامشية إلى صناعة صورة متضخّمة عن ذاتها ، عبر المبالغة في إظهار قوتها السياسية والإيديولوجية ، أو من خلال تكريس مركزية الحكم في مظاهر رمزية واستعراضية ، كتضخيم الشعارات والأعلام والطقوس السلطوية ، في محاولة لتعويض هشاشة البنية الداخلية وضعف الحضور الحقيقي في موازين القوة الدولية ، وفي خضم هذا التضخيم ، يجري تهميش العمق الحضاري والثقافي الذي تنتمي إليه تلك الدول ، بينما يتحوّل الإنسان إلى مجرّد ترس داخل ماكينة السلطة ، يُعاد تشكيل وعيه ودوره بما يخدم مقاسات الدولة لا احتياجات المجتمع ، غير أنّ التحولات المتسارعة في المشهد الدولي المعاصر باتت تفرض إعادة النظر في المفاهيم التقليدية المرتبطة بالقوة والسيادة ، بعدما أصبحت الهيمنة تُقاس بقدرة الدول على إدارة النفوذ والتكنولوجيا والمعلومات ، لا بالمظاهر الدعائية وحدها .
فالمسألة لا تتعلّق فقط بالكلفة التشغيلية الهائلة لطائرة الرئيس الأمريكي ، بل بما تمثّله تلك الطائرة من صورة مصغّرة للإمبراطورية ذاتها ، فالمسافة بين واشنطن وبكين ، على سبيل المثال ، تستغرق نحو 30 ساعة ذهاباً وإياباً ، وإذا كانت الساعة الواحدة تحتاج إلى وقود تتجاوز كلفته 200 ألف دولار ، فإن فاتورة الوقود وحدها قد تصل إلى 6 ملايين دولار ، في واحدة من أعلى كلف التنقّل الجوي الرئاسي في العالم ، لكن الطائرة الرئاسية الأمريكية ليست مجرّد وسيلة نقل ، بل مدينة متحرّكة تضم مئات من عناصر الخدمة السرية، والجنود ، والأطباء، والخبراء ، وفرق الاتصالات والإنقاذ ، إضافة إلى أسطول من السيارات المصفّحة والمدرّعات ، فضلاً عن طائرات أخرى تسبق وصول الرئيس لتأمين المجالين الأمني والاستخباراتي ، إنّها، بالمعنى السياسي والعسكري ، قوّة احتلال مؤقتة لأي مساحة تهبط فيها ، إذ تصبح المنطقة عملياً تحت السيطرة الأمريكية الكاملة طوال فترة الزيارة .
والأخطر من ذلك، أنّ الرئيس الأمريكي لا يزور أي دولة من دون أن ترافقه فرق متخصّصة في تعطيل قدرات الدولة المستضيفة على التنصتّ أو الاختراق الإلكتروني ، وبذلك، تستطيع الولايات المتحدة عملياً شلّ جزء واسع من القدرات الاستخباراتية للدولة المضيفة أثناء الزيارة ، وقد ظهرت ملامح ذلك سابقاً خلال زيارة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون إلى الصين ، حين تحدّثت تقارير عن إجراءات إلكترونية معقّدة رافقت الزيارة وحجم التكلفة الإجمالية للرحلة ، ومع ذلك ، يبقى السؤال الأكثر حضوراً لدى المواطن الأمريكي : ما الجدوى الاقتصادية والسياسية والأمنية من هذه الزيارات المكلفة ؟ وهل تعود بالفعل بمكاسب استراتيجية وتجارية تبرّر هذا الإنفاق الهائل؟
وعلى الجانب الآخر من المشهد العالمي ، ليست الدول وحدها المنخرطة في سباق التطوّر الجوي ، فحتى شبكات تهريب المخدرات والأسلحة باتت تستفيد من الحروب والصراعات لتطوير أدواتها وأساليبها ، في محاولة دائمة للإفلات من الرقابة الأمنية ، وفي هذا السياق ، يعيش الإسرائيليون حالة قلق متزايدة من نشاط التهريب القادم عبر صحراء النقب ، بعد فشل الحلول الأمنية التقليدية التىّ اعتمدها جهاز الشاباك والشرطة الإسرائيلية ، فبحسب تقارير أمنية متداولة ، نجح المهرّبون في توظيف تقنيات الطائرات المسيّرة بصورة متقدّمة ، مستفيدين من خبرات حروب المنطقة وتحديدا
حزب الله ، حيث باتت المسيّرات تعتمد على الملاحة البصرية والكاميرات والتعليمات المسبقة بدلاً من أنظمة تحديد المواقع التقليدية ، ما جعل اكتشافها أكثر صعوبة أمام الرادارات وأنظمة التشويش الإسرائيلية ، وباللغة البسيطة : «حلّق لمسافة محددة ، ثم اهبط في النقطة المطلوبة».
وبالتالي ، أصبحت مئات المسيّرات تعبر الحدود الأردنية والمصرية محمّلة بالأسلحة والمخدرات باتجاه الداخل الإسرائيلي ، أو نحو قطاع غزة والضفة الغربية ، وقد بدأت آثار ذلك تظهر بوضوح من خلال الانخفاض الكبير وغير المسبوق في أسعار بعض الأسلحة داخل السوق السوداء ، الأمر الذي دفع تقارير إسرائيلية إلى التحذير من تهديدات متصاعدة للأمن الداخلي ، وبالطبع، لكل تطوّر تقني محاسنه ومخاطره ، لكن الخطورة الحقيقية تبدأ عندما يتحوّل المجتمع بأكمله إلى رهينة للإدمان التقني ، فيما تغفل الدولة عن معالجة الثغرات البنيوية التىّ تتسلّل عبرها التهديدات ، وهذا ما يبدو جلياً اليوم في المشهد الإسرائيلي ، حيث ينشغل الجيش بحروبه المفتوحة في جنوب لبنان وقطاع غزة والضفة الغربية ، إضافة إلى استعداده الدائم لأي مواجهة محتملة مع إيران ، في الوقت الذي يحاول فيه معالجة أزمة التهريب عبر إقامة نقاط أمنية برية ، بينما تكمن المشكلة الحقيقية في السماء لا على الأرض .
غير أنّ الأزمة الأعمق لا ترتبط فقط ببدو النقب أو بشبكات التهريب العابرة للحدود ، بل بالبنية المافيوية التىّ تمدّدت داخل إسرائيل نفسها ، خصوصاً بعض الشبكات الإجرامية ذات الأصول الروسية التىّ نشأت بعد موجات الهجرة القادمة من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق ، فهذه الجماعات لم تعد مجرّد عصابات تقليدية ، بل تحوّلت إلى شبكات مالية ولوجستية عابرة للحدود ، تنشط في تهريب السلاح ، وغسل الأموال ، والاتجار بالمخدرات ، والابتزاز الاقتصادي ، وقد كشفت تقارير أمنية إسرائيلية ودولية خلال السنوات الماضية عن نماذج خطيرة لعمليات تهريب استخدمت فيها موانئ البحر الأبيض المتوسط ، وشركات تجارية وهمية ، وطائرات مسيّرة ، وحتى شبكات إلكترونية معقّدة لتسهيل نقل الأسلحة والمخدرات بين أوروبا الشرقية والشرق الأوسط ،كما برزت حوادث مرتبطة بتهريب أسلحة نوعية إلى داخل الأراضي الفلسطينية ، إضافة إلى عمليات غسل أموال مرتبطة بتجارة الألماس والعقارات وصالات القمار العابرة للحدود .

إنّ الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في المهرّب الذي يعبر الحدود ، بل في البيئة السياسية والاقتصادية التى تسمح بتحوّل الجريمة المنظّمة إلى قوة نفوذ داخل الدولة نفسها ، وعندما تتشابك مصالح المال الأسود مع التطرّف السياسي والسلاح ، تصبح الدولة مهددة من داخلها أكثر مما هي مهددة من خصومها الخارجيين ، ولعلّ المفارقة الأكثر إثارة للقلق اليوم أنّ مسيّرة صغيرة شبحية ، لا يتجاوز ثمنها بضعة آلاف من الدولارات ، باتت قادرة على التحوّل إلى هاجس أمني يطارد طائرة الرئيس الأمريكي نفسها ، بكل ما يرافقها من جيش جوي ومنظومات حماية واستخبارات تُقدَّر قيمتها بمليارات الدولارات …والسلام 🙋‍♂️

✍️ 

Weniger anzei

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *