سعاده عبد الرحيم
تمهيد: من يتكلم ومن أي موقع؟
هذا المقال ليس محاولة لتفنيد مارثا نوسباوم، الفيلسوفة الأمريكية المعروفة بنظرية “القدرات” ودفاعها عن العدالة الكونية. بقدر ما هو محاولة لفهم: لماذا تبدو فلسفتها جميلة في أمريكا، بينما تبقى حلماً بعيد المنال في سورية المقسمة والمستعمرة؟
الفرق الجوهري الذي يفسر كل شيء:
· نوسباوم تكتب في جامعة شيكاغو، في دولة قائمة مستقرة، حيث يمكن الحديث عن “واجبات كونية” تجاه الجائع في الهند لأن الدولة الأساسية موجودة وتعمل.
سعاده كتب في سورية الطبيعية تحت الانتداب الفرنسي، حيث لا دولة للأمة السورية، بل كيانات طائفية مصطنعة، وتحت الانتداب حيث الكيان اللبناني الذي كان يعيش فيه كان ضعيفاً ومنقسَّماً على نفسه ولا يزال ، والحديث عن “الواجبات الكونية” قبل بناء الأمة هو ترف لا يمكن تحمله.
أنا شخصياً أخاف من تسييس الفلسفات الكونية واستغلالها، لا من مبادئها المجردة. فالحركة الصهيونية، على سبيل المثال، استغلت الشعارات الاشتراكية العالمية مثل “يا عمال العالم اتحدوا” لتجنيد بعض الشيوعيين الفلسطينيين (الذين كانوا يجهلون حقيقة المشروع الصهيوني) للقتال إلى جانب الهاغانا ضد شعب فلسطين. استفاق هؤلاء الشيوعيون متأخرين، بعد أن ساهموا في كارثة وطنهم. هذه التجربة تجعلني حذراً من أي فلسفة كونية تقدم نفسها كحل شامل، دون النظر إلى المصالح القومية للمجتمعات الضعيفة والمستعمَرة.
أولاً: مارثا نوسباوم – كما أفهمها (من خلال ما قُدِّم لي)
نوسباوم فيلسوفة أمريكية تؤمن بأن:
· كل إنسان، أينما كان، لديه كرامة متأصلة.
· هناك قدرات إنسانية أساسية (الحياة، الصحة، العقل العملي، الانتماء…) يجب أن تضمنها الدولة لكل مواطن.
· لدينا واجبات أخلاقية تجاه الغرباء والفقراء في كل مكان، وليس فقط تجاه مواطنينا.
هذا كلام جميل. بل هو نبيل. لا يرفض. لكنه يجعلني اتساءل: في أي عالم يمكن تطبيقه؟—
ثانياً: أنطون سعاده – “الإنسان المجتمع” في سياقه
سعاده أسس فلسفته على مفهوم “الإنسان المجتمع”: الأمة كوحدة حياة عضوية، تنشأ عبر تفاعل أبناء البيئة مع بعضهم ومع الأرض. الفرد لا يوجد ككيان أخلاقي مستقل خارج هذه الوحدة.
ماذا يعني هذا عملياً؟
1. الأمة هي الوعاء الطبيعي للكرامة: لا كرامة لمن لا أمة له. الفرد المشرد، المنتمي إلى كيان مصطنع طائفي، لا يمكن أن تتحقق له القدرات التي تتحدث عنها نوسباوم. مثال: في الدولة اللبنانية الطائفية الكيانية، عدد المهاجرين اللبنانيين في أنحاء العالم أكثر من عدد سكان لبنان المقيمين فيه.
2. الدولة القومية هي الضامن الفعلي: سعاده يفرق بين “الأمة” (واقع طبيعي) و”الدولة” (تنظيم سياسي). الدولة قد تكون قومية (تعبر عن أمة واحدة)، أو كيانية (الأمة عدة كيانات سياسية)، أو إمبراطورية (دولة متعددة القوميات). الدولة القومية عنده هي الإطار الأكثر قدرة على تحقيق العدالة، لأن الفضاء الاقتصادي القومي أوسع من فضاء الدولة الكيانية ويؤمن اقتصاداً أقوى.
3. العدالة تحتاج إلى شرطين: الوحدة أولاً، ثم النظام الاقتصادي الاجتماعي العادل. بدون الوحدة، الدول الكيانية حديثها عن العدالة مشوه أو إمكانياته ضعيفة.
4. سعادة يؤمن بالعدالة الإنسانية والتعاطف الإنساني: لكنه لا يجده مجدياً “كتعاطف المجتمعات”. الفرد قد يتعاطف مع الجائع في الهند، لكن المجتمع الذي لا يضمن قوته وأمنه لا يستطيع تحويل هذا التعاطف إلى فعل.
5. الأمة قد تكون واعية لذاتها أو غير واعية: سعادة لا يتحدث عن “أمة مثالية”، بل عن أمة تمر بفترات قوة وضعف. حالة الأمة السورية اليوم هي حالة ضعف: تخلف، طائفية، تجزئة. النهضة هي عملية تحويل هذه الأمة من حالة الضعف إلى حالة القوة والوعي.
6. سعاده لم يؤسس فكره على كره الأجانب: هو يؤمن بأن كل الأمم “مزيج سلالي”، والصفاء العرقي وهم. القومية عنده وعي الواقع ومنه اننا مزيج سلالي، لذلك ليست عنصرية، بل وعاء لتحقيق حياة كريمة لأبناء الأمة، ثم لتحمل رسالة إلى الأمم الأخرى.
7. “الإنسان المجتمع الجديد”:
سعادة يطلب ‘الإنسان المجتمع الجديد’: إنساناً يعي نفسه ذاته … الوحدة شرط أساسي .
8. سعاده يرى ان في النفس السورية فيها كل حق وكل الخير وكل جمال لذلك ستأخذ بما تجده من حق وخير وجمال الموجود في الفلسفة الكونية ..
ثالثاً: أين تلتقي الفلسفتان؟
لا عداوة بين سعاده ونوسباوم. بل هناك نقاط تلاقٍ مهمة:
· كلاهما يؤمن بكرامة الإنسان.
· كلاهما ينتقد الرأسمالية المتوحشة.لكن الماركسية (التي تؤثر في نوسباوم جزئيًا) سعاده يرى الصراع الطبقي يزيد التفسخ في الأمة
· كلاهما يمنح التربية أولوية قصوى.
· كلاهما يرفض النزعة الفردانية المطلقة.
لكن الاختلاف ليس في المبادئ، بل في ترتيب الأولويات وإمكانية التطبيق.
رابعاً: أين يختلفان؟ (والسبب: اختلاف السياق)
الاختلاف الأول: الفرد مقابل “الإنسان المجتمع”
· نوسباوم: الفرد هو وحدة الاهتمام الأخلاقي.
· سعاده: “الإنسان المجتمع” (الأمة) هو الكائن الأخلاقي الحقيقي. الفرد يستمد كرامته وقيمه وأخلاقه وشخصيته من المجتمع الأمة.
النقد من منظور سعاده: في عالم تسوده الإمبريالية والصراعات، الفرد بدون أمة ناهضة هو فرد مشرد، لا تستطيع القدرات أن تتحقق له. نوسباوم تتحدث من داخل دولة قوية قائمة، فترى الفرد محمياً بالفعل. سعاده يتحدث من داخل أمة مقسمة تحت الاحتلال، فاقدة ذاتها، يسودها الجهل والتخلف والأمراض الاجتماعية والسياسية، فيرى أن حماية الفرد تبدأ بوعي الأمة ذاتها وقيمها العليا ومصالحها العليا. لذلك البداية بمحاربة هذه الحالة أولاً.
الاختلاف الثاني: الدولة القومية كشرط أم أداة؟
· نوسباوم: دولة متعددة القوميات يمكنها تحقيق العدالة إذا ضمنت القدرات.
· سعاده: في السياق السوري، هذا الكلام مثالي. النظام الطائفي والكيانات المصطنعة تحول دون تحقيق العدالة. الوحدة القومية هي شرطها.
النقد من منظور سعاده: نموذج الدولة القومية الذي يقدمه سعادة غير موجود في العالم العربي. التجارب العربية القومية فشلت لأنها لم تكن قومية حقيقية بالمعنى الذي يقصده سعاده (الأمة كوحدة عضوية واعية)، بل هي ديكتاتوريات فردية تستخدم القومية كغطاء. السؤال: هل يمكن مثلا للأردن أو لبنان أن تكون دولاً قومية؟
الاختلاف الثالث: الكونية – حلم جميل أم مشروع قابل للتحقيق؟
· نوسباوم: لدينا واجبات كونية تجاه كل البشر.
· سعاده: الفلسفة الكونية هي للمجتمعات المستقرة الميسورة. أما المجتمعات المستعمرة التي تعاني داخلياً من الفقر والصراعات، فتبقى الفلسفة الكونية لديها أحلام جميلة لا تستطيع تحقيقها.
النقد من منظور سعاده: لا يرفض الفلسفة الكونية. لكنه يقول: ليست “كونية عامة”. هي قابلة للتطبيق في سياقات معينة، وتصبح حلماً في سياقات أخرى. سعادة لا يرفض التعاطف الإنساني، لكنه لا يجده مجدياً “كتعاطف المجتمعات” القوية تجاه المجتمعات الضعيفة او التي تصيبها كوارث ، المجتمع الذي لا يؤمن نفسه لا يستطيع أن يعطي الآخرين الا الفكر.
الاختلاف الرابع: رسالة سورية إلى العالم العربي
سعاده يقول: “إننا لن نتنازل عن مركزنا في العالم العربي ولا عن رسالتنا إلى العالم العربي. ولكننا نريد، قبل كل شيء، أن نكون أقوياء في أنفسنا لنتمكن من تأدية رسالتنا. يجب على سورية أن تكون قوية بنهضتها القومية لتستطيع القيام بمهمتها الكبرى.”
هذا ليس انغلاقاً قومياً، بل واقعية: يمكنك أن تحمل رسالة فكرية إلى العالم وأنت جريح ضعيف مقسَّم (وهذا ما فعله سعادة نفسه). لكن المعونة المادية أو السياسية لا يمكنك تقديمها قبل أن تقوِّي نفسك. أولاً قوِّ نفسك، ثم ارنا ما لديك—
خامساً: خلاصة – حوار غير منتهٍ
نوسباوم محقة في أن المعيار الكوني هو الأعلى أخلاقياً. سعادة محق في أن المعيار القومي (في سياقه) هو الأكثر واقعية وقابلية للتحقيق.
السؤالان اللذان يلخصان الجوهر:
1. هل استطاعت أي من الدعوات الكونية (دينية أو فلسفية) تأمين عدالة كونية في العالم؟
2. ألم تستطع الدولة القومية، بالمقابل، إقامة عدالة نسبية بين أبنائها بشكل أفضل من الكيانات المصطنعة كالإمبراطورية الإسلامية في كل عهودها (الأموي، العباسي، العثماني) والتي قامت جميعها على دعوة كونية هي الإسلام؟ أو هل قامت عدالة كونية في الاتحاد السوفيتي الذي قام على دعوة كونية أيضاً؟
سعاده لم يؤسس فكره على كره الأجانب، بل على حب الأمة كوعاء للحياة الكريمة. وهو يعرف أن سورية، قبل أن تقدم أي شيء للعالم، تحتاج أولاً إلى أن تكون سورية.
ملاحظة حول منظور هذا النص:
هذا المقال كُتب من داخل القلق الوجودي السوري، وليس من برج أكاديمي أوروبي. لا أدعي الحياد المطلق، ولا أدعي معرفة متعمقة بالفلسفة الكونية. هذا المقال هو محاولة لفهم نوسباوم من منظور سعاده.، وليس تفنيدها. النقد مرحب به، شريطة أن يعترف باختلاف المواقع والوسائل المتاحة.
