مروان صباح:
ثمة حججٌ ناظمة وأخرى مشتتة تسير في سياق تفسير القرارات الكبرى واستنتاج مآلاتها؛ وهي قرارات ذات طابع استراتيجي عميق،ولا يبدو أن من يخطط لها ويقرّها يدرك تماماً إشكالية الاشتغال في منطقة معقدة كالعالم العربي ، بما تنطوي عليه من حساسيات سياسية واقتصادية وجيوسياسية متداخلة ، فمثل هذه الخطوات ، في خلفياتها ، تمثل ما يمكن وصفه بـ”انقلاب نفطي” قد يقلب موازين المنطقة رأساً على عقب لعقود مقبلة ، فإن المعطيات المرتبطة بهذه القرارات تقترب من اليقين في تأثيرها ، إذ ستسهم في توسيع الهوة القائمة أصلاً—والمفتعلة في كثير من الأحيان—وهي هوةٌ تشكلت نتيجة صراعات إعادة تموضع النفوذ الإقليمي والدولي ، ومن هذا المنطلق ، يمكن النظر إلى انسحاب دولة الإمارات العربية المتحدة من الأطر النفطية ” أوبك ” بوصفه ضربةً موجعةً لمنظومة التعاون الخليجي ، وربما مؤشراً على تصدعات أعمق في بنية التنسيق الإقليمي .
هذا التحول قد يمهّد الطريق لتحقيق أهداف استراتيجية لقوى دولية ، وفي مقدمتها الولايات المتحدة ، من خلال البحث عن مسارات بديلة للتجارة والطاقة ، بما في ذلك مشاريع ممرات بحرية مشتركة مع إسرائيل ، مغايرة لتلك التىّ تعتمد عليها دول مثل مصر واليمن ودول الخليج وإيران ، غير أن هذا المسار لا ينفصل عن تحولات داخلية في السياسة الأمريكية ، حيث تبدو الانتخابات المقبلة محطة مفصلية قد تعيد تشكيل الدبلوماسية الأمريكية واتجاهاتها ، ففي أعقاب التوترات العسكرية الأخيرة ، وما نتج عنها من استهداف للقواعد الأمريكية في المنطقة ، تتزايد داخل لجان الكونغرس الدعوات إلى مراجعة جذرية للعلاقة مع طهران ، ويعني ذلك—ضمنياً—أن على إسرائيل إعادة النظر في بعض سياساتها في المدى القريب ، خاصة في ظل مؤشرات على تقاطعات أو تفاهمات غير معلنة بين قوى إقليمية كالقاهرة وطهران والرياض وأنقرة وإسلام آباد ، وهي متغيرات لا تبدو منسجمة مع حسابات أبوظبي في هذه المرحلة .
في المقابل ، تبدو طهران وقد وصلت إلى قناعة مفادها أنها لا تستطيع الاستمرار منفردة في إدارة التوازنات الإقليمية ، وأن عليها مراعاة نفوذ الدول العربية والإسلامية في محيطها الحيوي ، إلا أن هذه القناعة لم تتبلور بعد بنفس الوضوح في تل أبيب ، ما يعمّق فجوة الرؤى بين الطرفين ، وعلى الصعيد العسكري ، تشير التطورات التكنولوجية إلى تحول نوعي في طبيعة الجندي المعاصر ، حيث يجري العمل على تطوير تجهيزات قتالية متقدمة تربط الجندي بشبكات معلوماتية متكاملة ، تشمل أنظمة استشعار ورؤية متطورة ، وربطاً مباشراً بالآليات القتالية كالدبابات والمدرعات ، وهذا التحول يعكس طبيعة التحالفات المقبلة ، التىّ ستعتمد بدرجة أكبر على التفوق التكنولوجي والتكامل العملياتي ، وقد يُطرح تساؤل مشروع حول قدرة إيران على مواكبة هذه التحولات في ظل الحصار النفطي المفروض عليها ، غير أن التجربة السابقة—لا سيما خلال فترة إدارة الرئيس باراك أوباما—تُظهر أن طهران طورت آليات للالتفاف على القيود ، سواء عبر تقليص الإنتاج أو عبر قنوات تصدير غير رسمية ، كما أن شبكاتها الاقتصادية الموازية ، المرتبطة جزئياً بالحرس الثوري ، تمنحها هامشاً من المناورة المالية ، يقلل من تأثرها المباشر بتقلبات أسعار الطاقة العالمية ، وهذا سيُضاعف الضغطَ الدوليَّ على سعر برميل النفط ، الذي سيرتفع ، وتحديدًا مع خروج الإمارات من المنظمة ، وفي الولايات المتحدة ، ارتفع سعر البنزين قرابة 40% .
تاريخياً ، لا يُعد الحصار الاقتصادي ظاهرة جديدة ؛ فقد تعرضت له قوى كبرى مثل ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية ، والاتحاد السوفيتي ، وكذلك كوبا ، فضلاً عن تجارب أقرب زمنياً في المنطقة ، غير أن التجربة الإيرانية تشير إلى أن الحصار قد يتحول من أداة ضغط إلى عنصر في إدارة صراع اقتصادي أوسع ، حيث يجري توزيع أثره على النظام الدولي من خلال التأثير في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد ، في هذا السياق ، يصبح مضيق هرمز نقطة ارتكاز حساسة ، إذ إن أي تعطيل لحركته سينعكس على الاقتصاد العالمي بأسره ، وفي المقابل ، تعمل إيران على تعزيز خيارات النقل البري كبديل استراتيجي ، ما قد يخفف جزئياً من أثر القيود البحرية المفروضة عليها .
أما على المستوى الدبلوماسي ، فإن التحولات الراهنة تفرض إعادة قراءة للمشهد السياسي الدولي ، فليس من السهل تفسير توجه بعض الأطراف الإقليمية إلى مسارات تفاوضية حساسة في توقيت تشهد فيه الولايات المتحدة نفسها تغيراً في المزاج السياسي ، كما عكسته مواقف داخل مجلس الشيوخ تجاه دعم إسرائيل ، فأعضاءُ الحزبِ الديمقراطيِّ صوّتوا ضدَّ صفقاتِ سلاحٍ لإسرائيل ، في دلالةٍ واضحةٍ على التغيير ، ويعتزمُ بعضُهم الترشّحَ لانتخاباتِ 2028 ، فالعالم يتغيّرُ بشكل واضح وسريع ؛ ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، تبدو هذه التحولات مرشحة للتسارع ، بما يعيد تشكيل أولويات السياسة الخارجية الأمريكية.
