العدالة” الانتقالية” … تجربة عربية لم تكتمل !
م. بيطار , روبا منصور :
عمر مفهوم العدالة الانتقاية في هذه المنطقة قصير نسبيا ويقدر بأقل من نصف قرن, البداية كانت في اتفاق الطائف عام ١٩٧٥ بخصوص لبنان , مما أثار انتباه دولا شرق أوسطية أخرى لتقليد الطائف , الكل فشلوا نسبيا في انتاح الثقافة الحقوقية -الديموقراطية , وفشلوا ايضا في بناء مؤسسات المجتمع المدني , بالرغم من وجود قدوات بهذا الخصوص مثل دول أوروبا الشرقية , التي ادارت ظهرها للاممية الشيوعية الديكتاتوري وتحولت الى ديموقراطيات , بعكس منطقة الشرق الأوسط حيث لايزال الانغلاق مهيمنا ولا تزال حقوق الانسان محتقرة , بالرغم من كونها عموما المعيار الأهم لتقدم اي مجتمع , لاتزال العلاقة بين الحاكم والشعب متوترة , ولا يزال الحكم حصري بشخص الحاكم حتى الموت في العديد من الحالات ,لا تزال الفوضى مهيمنة والـتأخر المتزايد سيد الموقف , ليس التأخر النسبي انما المطلق !ولا يزال القضاء مترديا تبعيا لايعرف الاستقلالية ولا يعرف العدل ولا يدرك الفرق بين العدل والعدالة .
هناك فروق بين العدل والعدالة ,باختصار يعتبر العدل شكلا قانونيا , بينما العدالة جوهرا انسانيا للانصاف , وكل ذلك مؤسس الى حد كبير على مفهوم المساواة , لايميز العدل بين أم تسرق لتطعم اولادها الجياع , وبين لص يسرق مدفوعا بالجشع , العدالة تميز بين اللص والأم , فالأم السارقة لتطعم اطفالها الجياع توكافأ من قبل العدالة وتعاقب من قبل العدل اي القانون او الشريعة التي تأمر ببتر يد السارق , ارسطو تطرق الى هذا الموضوع مؤكدا على مبدأ المساواة بين الجميع فالطفل الفقير الجائع يجب أن يشبع كطفل عائلة غنية ,فالقانون او الشرع الذي يحقق العدل , لايحقق العدالة , التي لاتبتر اليدالتي سرقت .
للعدالة اشكال مختلفة مثل العدالة الاجتماعية او الاقتصادية أو السياسية الخ , ثم هناك العدالة الانتقالية حديثة الولادة , انها مفهوما جديدا على العلوم الاجتماعية – الحقوقية , تختص العدالة الانتقالية بالدرجة الأولى بمشاكل المجتمعات , التي تعرضت الى انتهاك حقوقها على يد التسلط والديكتاتورية والفساد ونقص في تطبيقات الديموقراطية .
يعاني مفهوم العدالة الانتقالية ولاديا من تضاد او تناقض بين دلالات جزئه الأول وبين دلالات جزئه الثاني ,فدلالة “الانتقالية ” لاتستقيم مع مفهوم ” العدالة ” , لأن مفهوم العدالة دائم ببعده الانساني والاجتماعي , ولا يجوز اصلا ان يكون مرحلي , انه مستعصي على التحديد الزمني , فالعدالة الانتقالية هي جملة الاجراءات في مرحلة الانتقال الديموقراطي , هدفها كشف الحقيقة بخصوص ممارسات العبث بحقوق الانسان , ثم المحاسبة الغير انتقامية لمن اساء لحقوق الانسان , القصد من كل ذلك التمكن من طي صفحة الماضي والتصالح مع التاريخ , ثم الانتقال الى مرحلة أو حقبة جديدة تتميز بالديموقراطية , هناك العديد من تعاريف للعدالة الانتقالية , وهناك تعريف خاص بالأمم المتحدة , لم نجد فروقا جوهرية بين كل تلك التعاريف .
يظن البعض ان العدالة الانتقالة محددة زمنيا أي انها ليست مفتوحة الى أمد غير محدود , أي أنها مرحلية تهدف الى تجاوز التشفي والانتقام والعدائية الاجتماعية , وتجاوز تراكمية السلبيات بقصد البدء من جديد بروح تعاونية تضامنية جديدة بعيدة عن ثقافة الثأر والضغينة , الثأرية البدوية والعنف البدوي ,مفهوم الحق البدوي غير مؤهل لممارسة العدالة الانتقالية , فالمهم في العدالة الانتقالية ليس الاقتصاص بالدرجة الأولى , انما اعادة البناء الاجتماعي بشكل يسمح ببداية سياسية حقوقية ديموقراطية انسانية جديدة ومستمرة أي ليست مرحلية انتقالية ,اي ان عبارة العدالة الانتقالية متناقضة في ذاتها , لقد نجحت تطبيقات العدالة في العديد من الدول مثل اليونان بعد الانقلابات العسكرية وتشيلي بخصوص بينوشيه والعديد من الدول في أمريكا الجنوبية ,وفشلت في الكيانات العربية .
مرت ماتسمى العدالة الانتقالية بعدة أطوار , الطور الأول كان دولي الطبيعة , مثلا في محاكمات مجرمي الحرب العالمية الثانية في نورنبرغ وطوكيو , ترافق تطبيق العدالة الانتقالية بما هو أهم من محاكمة مجرمي الحرب , والأهم كان الديموقراطية مثلا في المانيا وفي اليابان واليونان وغيرهم , مما قاد الى تقدم تلك المجتمعات باستمرار وتحولهم الى قدوات عالمية بخصوص نزاهة الحكم وديموقراطيته المستدامة .
الطور الثاني كلن طور الحرب الباردة , هنا اصيبت العدالة “الانتقالية ” ببعض الركود , الذي تجلى بتجاهل العديد من الجرائم والمخالفات الخاصة بحقوق الانسان , والتبرير كان حالة الصراع بين المعسكرين , الصراع انتهى مبدئيا بانهيار الاتحاد السوفييتي , لم تتميز هذه المرحلة بمحاكمة من أساء لحقوق الانسان ,ولم تترافق بالابتعاد عن نموذج الشمولية والديكتاتورية في ممارسة الحكم , هنا يمكن القول حبل الجبل وانجب فأرا , وبوتين هو الممثل النموذجي لهذا التطور , البوتينية ابتدعت ومارست للعديد من السنين التناوب في رئاسة الدولة ورئاسة مجلس الوزراء بين بوتين وميدييف , الى أن استتب أمر بوتين في رئاسة الدولة الروسية مدى الحياة , مطبقا بذلك ما سماه المنصف المرزوقي مفهوم “الجملوكية ” المتميز بالجمع بين الجمهورية والملكية , البوتينية مارست بشكل فاضح الاعتداء على حقوق الانسان ثم استصدرت القوانين من مجلس الدوما او مجلس الدمى لشرعنة هذا الاعتداء !,لاتوجد معارضة في روسيا, لأن المعارض يقتل بقانون بوتين , الذي يستقيم مع القانون الروسي , الذي ينفي مسؤولية بوتين عن القتل .
تميز الطور الثالث للعدالة ” الانتقالية” ببداية تسعينات القرن الماضي , والبداية كانت في يوغوسلافيا , هنا ولدت عدة مبادئ وممارسات منها التدخل العسكري الغير مشرعن من قبل مجلس الأمن , ثم اختراق الحصانة الداخلية للدولة , اذ ليس في ميثاق الأمم المتحدة ما يسمح بتدخل المجتمع الدولي بالشؤون الداخلية لدولة عضو في الأمم المتحدة بدون تفويض اي بدون استصدار حالة قانونية تفرض البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة , ثم تكرر الأمر في رواند وفي العراق , هنا نريد التلميح الى أن معظم اختراقات حصانات الدول تم خلال فترة بطرس غالي كسكريتير عام للأمم المتحدة , لربما كان ذلك مجرد صدفة !,
لم تخترق العدالة “الانتقالية ” حدود العديد من الدول العربية , ولم تستكمل العدالة الانتقالية صورتها في أي من الدول العربية , فالعدالة الانتقالية الجزئية التي حققها الطائف في لبنان تتهاوى تحت تأثير العلة التي شرعنت ترقيعة الطائف , لم ينتقل الجزائر الى الديموقراطية بعد الحرب التي اندلعت في الجزائر بعد عام ١٩٩٢ , لم تتغير أحوال العراق سوى الى الأسوء , الأوضاع في السودان كارثية , وبقية الدول العربية تعاني من ذات المشاكل , لم يتم التصالح ولم تتم محاكمة من اساء لحقوق الانسان ولم تتم اقامة مشروعا ديموقراطيا بعكس اليونان بعد الانقلابات العسكرية وبعكس تشيلي بعد بينوشيه وبعكس الدول التي قامت على اشلااء جغرافية يوغوسلافيا السابقة …
العدالة مفهوم انساني غير مرحلي ومتطورالمضمون بشكل دائم ومستمر ومختلف عن مفهوم العدل اي القانون أو الشريعة , خاصة الشريعة لكونها غير متطورة , بينما تعرف القوانين التطور لكونها غير مقدسة
Post Views: 3