الشارب والحقيقة – الإنسان بين وهم الامتياز وأسئلةالوعي…

مروان صباح :
    يبدو العالم البشري ، في كثير من تجلياته ، أشبه بمسرح واسع للمفارقات ؛ إذ يستطيع الإنسان أن يمنح الأشياء الصغيرة حجماً يفوق حقيقتها ، وأن يصنع من التفاصيل العابرة معنىً وجودياً يلتصق به كما لو كان جزءاً من كيانه ، ولعل أكثر ما يكشف هشاشة النفس البشرية وغرابة تكوينها أن بعض الناس قد يجد في شاربٍ كثيف ما لا يجده غيره في الفكر أو المعرفة أو التجربة ؛ فيتعامل معه بوصفه امتيازاً شخصياً ، وعلامة تفرد ، وحداً فاصلاً بينه وبين الآخرين ، عندها لا يعود الشارب مجرد تفصيل شكلي ، بل يتحول إلى صورة رمزية لفكرة أعمق : حاجة الإنسان الدائمة إلى الإحساس بالاختلاف .
غير أن التأمل في هذه الظاهرة لا يقود إلى السخرية بقدر ما يفتح باباً فلسفياً واسعاً حول طبيعة القناعات الإنسانية ؛ فالقناعة ، مهما بدت بسيطة ، تمتلك قدرة هائلة على إعادة تشكيل وعي الإنسان بنفسه وبالعالم ، إنها لا تسكن العقل فقط ، بل تتسلل إلى الداخل العميق حتى تصبح جزءاً من الهوية ، فيغدو التخلي عنها شبيهاً بالتخلي عن الذات ذاتها ، ومن هنا نفهم كيف يستطيع الإنسان أن يدافع بحماسة عن أمور تبدو للآخرين تافهة ، بينما يراها هو ركناً من أركان وجوده الرمزي ، وفي مقابل هذا الانشغال بالمظاهر والتفاصيل الصغيرة ، يقف التاريخ الإنساني شاهداً على نماذج أخرى جعلت من السؤال غايتها الكبرى ، فقد انشغل أفلاطون وأرسطو، على سبيل المثال ، بالسؤال عن الحقيقة والعدالة والمعرفة ، لا بالسؤال عن الهيئة والشكل ، وفي لوحة مدرسة أثينا الخالدة، تتجسد هذه الثنائية الإنسانية بأبهى صورها ؛ فأفلاطون يرفع إصبعه نحو السماء ، في إشارة إلى عالم المثل والمعاني العليا ، بينما يشير أرسطو إلى الأرض ، مؤكداً أن الحقيقة تُدرك بالتجربة والواقع ، وبين الإشارتين يقف الإنسان معلقاً بين عالمين : عالم الفكرة ، وعالم الصورة ؛ بين البحث عن الجوهر ، والانشغال بالمظهر .
ولعل هذه المفارقة هي ما يدفعنا إلى التساؤل : متى بدأ الإنسان يمنح الأحكام الاجتماعية سلطة تتجاوز سلطة العقل؟ متى ظهرت مفاهيم مثل “العيب” و”المقبول” و”المرفوض” بوصفها معايير تحدد قيمة الأفعال والأشخاص؟ إن الإنسان ، منذ لحظة تشكّل الجماعة ، لم يعد يعيش وفق طبيعته الفردية الخالصة ، بل صار محكوماً بنظرة الآخرين ، يراقب نفسه بعين المجتمع قبل أن يراقبها بعين الوعي ، وهكذا نشأت الأخلاق ، لا باعتبارها قوانين مجردة فقط ، بل بوصفها محاولة جماعية لتنظيم الفوضى الداخلية للإنسان .
إلا أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود الأخلاق ، بل في المسافة الفاصلة بين معرفتها وتجسيدها ، فليس من الصعب على الإنسان أن يتحدث عن الفضيلة ، لكن الصعوبة الحقيقية تكمن في أن يعيشها ، ومن هنا تظهر مأساة التبرير ؛ إذ يقضي الإنسان جزءاً كبيراً من حياته وهو يعيد تفسير أفعاله ، لا بحثاً عن الحقيقة ، بل هرباً من مواجهة ذاته ، وربما لهذا السبب بقي السؤال الفلسفي حول السعادة والمتعة سؤالاً مفتوحاً عبر العصور ؛ لأن الإنسان كثيراً ما يخلط بين اللذة العابرة والمعنى العميق ، فالمتعة غالباً استجابة مؤقتة لرغبة آنية، أما السعادة فهي حالة أكثر رسوخاً ، تتطلب وعياً قادراً على تجاوز الإغراءات السريعة نحو بناء داخلي طويل الأمد ، ولهذا رأى كثير من الفلاسفة أن الحرية الحقيقية لا تتحقق حين يفعل الإنسان ما يشاء ، بل حين يفهم دوافعه ويصبح قادراً على السيطرة عليها ، فالوعي ، في جوهره ، ليس مجرد إدراك للعالم الخارجي ، بل قدرة الإنسان على إنارة أعماقه المظلمة ، وتحويل اللاوعي إلى مساحة مكشوفة أمام العقل .
ومن هنا أيضاً يصبح التفريق بين القيم الأخلاقية والقيم الجمالية أمراً ضرورياً ؛ فالأخلاق تنطلق من محاولة تجنب الألم والشر ، بينما ينبع الجمال من السعي نحو المتعة الحرة والتأمل الخالص ، فإن النشاط الجمالي يشبه اللعب أكثر مما يشبه الانتاج ، لأنه فعل يُمارس لذاته ، دون غاية نفعية مباشرة ، وحتى السخرية ليست سوى لحظة ينجح فيها العقل في التوفيق بين التناقضات ليولد شعوراً عابراً باللذة .
وعند هذه النقطة تحديداً يعود “الشارب” ليظهر من جديد ، لا بوصفه شعراً على الوجه ، بل بوصفه رمزاً إنسانياً مكثفاً ؛ رمزاً لرغبة الإنسان الدائمة في صناعة معنى خاص به، ولو كان ذلك المعنى هشاً وعابراً ، فربما لم يكن تمسك صاحبنا بشاربه دفاعاً عن شكل خارجي بقدر ما كان دفاعاً عن شعوره الداخلي بالتميّز ، ذلك الشعور الذي يسعى الإنسان ، منذ بدايات الوعي الأولى، إلى العثور عليه بأي صورة ممكنة ، ولعل هذا المشهد، على بساطته، يعيد إلى الذاكرة لوحة مدرسة أثينا، حيث ارتفع إصبع أفلاطون نحو السماء، في إشارة إلى الحقيقة المتعالية وعالم المثل، بينما بدا سقراط غارقاً في أسئلته الإنسانية حول الحكمة والفضيلة ومعنى الوجود ، وبين إصبعٍ يبحث عن الحقيقة وشاربٍ يبحث عن التفرّد ، تتجلى المفارقة الأزلية للإنسان ؛ إذ يظل الكائن الوحيد الذي لا يكتفي بأن يعيش، بل يصرّ دائماً على أن يمنح حياته معنى ، مهما بدا ذلك المعنى صغيراً أو عابراً .

وهكذا يبقى الإنسان معلقاً بين حاجته إلى الحقيقة ، وحاجته إلى الوهم الجميل ؛ بين رغبته في فهم ذاته ، ورغبته في تزيينها ، وفي المسافة بين الأمرين تتشكل الحكاية الإنسانية كلها …والسلام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *