سوريا.. جراحة قيصرية في رحم الخراب…..

 جمال حمور :

16 مايو 2026
عن سلطة الاغتصاب السياسي للدولة     تعيش سوريا، في منتصف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، مرحلة تاريخية بالغة التعقيد، تتجاوز في أبعادها مفهوم الانتقال السياسي التقليدي، لتدخل في طور إعادة تعريف الدولة نفسها بعد انهيار اليقين القديم وسقوط البنية الهيكلية التي حكمت العلاقة بين السلطة والمجتمع لعقود طويلة. فالمخاض السوري الراهن لم يعد صراعاً على هوية من يحكم فحسب، بل تحول إلى صراع أعمق على ماهية الحكم ذاته؛ ليس فقط من يمتلك السلطة، بل كيف تُمارَس، وبأي حدود قانونية وأخلاقية تُضبط وتُصان.

ورغم محاولات ترميم المؤسسات واستعادة الحضور الدبلوماسي، فإن البنية العميقة للدولة لا تزال تتحرك داخل منطقة رمادية، حيث يتقاطع خطاب القانون بمنطق القوة، وتتعايش ملامح التحديث مع تركات الحرب الوغرة. إن الاستقرار القائم اليوم يبدو أقرب إلى “إدارة للهشاشة” منه إلى استقرار سياسي ناجز؛ فالدولة لم تنهَر بالكامل، لكنها لم تُولد من جديد بعد، مما جعل الأزمة الكبرى لا تكمن في الدمار المادي، بل في تصدع العلاقة النفسية بين المواطن والكيان السياسي. لقد بات السوري يخشى فكرة الدولة ذاتها حين تتحول إلى أداة غلبة، مما حول أزمة الثقة من صراع سياسي إلى قطيعة وجودية بين المجتمع ومفهوم الدولة، وأي مشروع لا يعيد بناء هذه الثقة على أساس المواطنة المتساوية سيبقى مجرد إعادة تدوير للأزمة بصور مستحدثة.

من هنا تبرز الضرورة الوجودية لـ “الدولة المحايدة”؛ تلك التي تقف على مسافة واحدة من الجميع، ولا تُعرّف مواطنيها عبر طوائفهم أو ولاءاتهم، بل عبر حقوقهم القانونية الصرفة. فالمعضلة السورية لم تعد في غياب السلطة، بل في غياب الدولة التي يشعر الجميع بأنها لا تُستخدم ضدهم عند أي تحول في موازين القوة. وفي هذا الإطار، يبرز ملف العدالة الانتقالية كاختبار لجوهر الدولة المقبلة؛ فالعدالة التي تُدار بمنطق الانتقاء السياسي لا تُنتج مصالحة، بل تُشرعن الانقسام بوسائل قانونية، ليتحول القانون حينها إلى امتداد للصراع لا مخرجاً منه.

هذا المأزق الحقوقي ينسحب بالضرورة على ملف الأمن؛ فالدولة التي لا تحتكر العنف الشرعي تبقى ناقصة السيادة، واستمرار توزيع القرار الأمني بين قوى متعددة يعني أن الأمن لم يتحول بعد إلى وظيفة قانونية، بل ظل نتيجة لتفاهمات مؤقتة قابلة للاهتزاز. وبالتوازي، يبرز التحدي الاقتصادي لا كمجرد أرقام نقدية، بل كضرورة لتفكيك بنية “اقتصاد الحرب” وشبكات النفوذ التي تحولت إلى مصالح مستقرة تتغذى على سيولة الدولة وهشاشتها.

إن التحدي الأخطر الذي يواجه سوريا اليوم هو اعتياد السوريين على العيش داخل “اللايقين الدائم”، وتكيفهم مع ثقافة الشك والخوف وغياب القواعد المستقرة. فالمجتمعات لا تنهار بالهزائم العسكرية فقط، بل عندما تفقد إيمانها بإمكانية وجود نظام عادل. لذا، فإن مستقبل سوريا لن يُحسم بالتسويات السياسية الفوقية، بل بالقدرة على إنتاج دولة يشعر مواطنوها بالأمان “داخلها”، لا الأمان “منها” فقط.

تقف سوريا الآن أمام ثلاثة مسارات: إما بناء دولة وظيفية محايدة تُعيد الاعتبار للمؤسسات، أو إعادة إنتاج سلطوية معدلة بواجهة حداثية، أو البقاء في المنطقة الرمادية حيث “نصف الدولة”؛ مؤسسات دون حياد، وقانون دون ثقة، واستقرار دون يقين. إن الامتحان الحقيقي ليس في القدرة على البقاء، بل في التحول من سلطة تخشى المجتمع إلى دولة يثق بها المجتمع؛ فذاك هو الفارق الوحيد بين إعادة بناء وطن، وإعادة إنتاج أزمة بملامح أكثر هدوءاً وأطول عمراً.

وفي النهاية، تبدو سوريا اليوم كبلد يقف على خط رفيع جداً بين إعادة التأسيس وإعادة إنتاج الأزمة؛ بين ولادة دولة جديدة، أو ترميم سلطة قديمة بأدوات مختلفة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *