مروان صباح:
من المفيد النظر إلى هذا النوع من الشخصيات السياسية ضمن مؤشرات أوسع وأكثر تأثيراً ، بوصفها تعكس منعطفات كبرى في مسار النظام الدولي المعاصر ، فبعيداً عن طبيعة العلاقة المتذبذبة التىّ تربط بعض القادة بأوطانهم أو بالعالم من حولهم وأبعد ، تبقى المفارقة الأكثر إثارة أن العالم بأسره قد يكون مديناً لعامل الزمن في صعود الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في مرحلة متأخرة من عمره السياسي .
فالطرفة السوداء هنا تكمن في أن وصول ترمب إلى الرئاسة بعدما تجاوز ال70 من عمره ربما جنّب العالم نسخة أكثر اندفاعاً وتأثيراً لو أنه وصل إلى المكتب البيضاوي في خمسينياته ,، فالرجل ، وهو على مشارف الثمانين ، ما يزال يمتلك قدرة استثنائية على تحريك المشهد الدولي سياسياً واقتصادياً وإعلامياً ، حتى بدا وكأنه يدير تفاصيل العالم من مكتبه ، من الرؤساء إلى رجال الأعمال ، وصولاً إلى القضايا الرياضية والاجتماعية العابرة ، ولا يمكن فصل هذه الحيوية عن طبيعة شخصيته القائمة على اليقظة الدائمة والفضول الحاد وسرعة البديهة ، ولعل إحدى الحوادث البسيطة التىّ تداولها الإعلام الأمريكي بانتقاد تعكس هذه السمات بوضوح ، عندما تحدثت طفلة في البيت الأبيض عن حلمها بالانضمام إلى فريق للكرة الطائرة ، فسألها ترمب بصورة مباشرة عمّا إذا كانت تستطيع القفز جيداً ، في إشارة إلى قصر قامتها ، وحين أجابت بأنها لا تستطيع كثيراً ، نصحها سريعاً بالتوجه إلى كرة القدم بدلاً من إهدار سنواتها في مجال قد لا يناسب قدراتها الجسدية ، وبغض النظر عن قسوة التعليق أو طرافته ، فإنه يكشف عن ذهنية عملية وحاسمة تتعامل مع الواقع كما هو ، لا كما يُراد له أن يكون .
في السياق ذاته ، تبدو العلاقة بين إدارة ترمب وحكومة نتنياهو أكثر تعقيداً مما تظهره التصريحات العلنية ، فعلى الرغم من الاتصالات المتواصلة بين الطرفين ، خصوصاً عقب الرد الإيراني الأخير الذي نُقل عبر الباكستانيين ، فإن مؤشرات التوتر والخلاف بين واشنطن وتل أبيب باتت واضحة على نحو غير مسبوق ، ويبدو أن الإدارة الأمريكية لم تعد معنية باستمرار الحرب أو توسيع نطاق الحصار في المنطقة ، وهو ما يتناقض مع الرؤية الإسرائيلية التىّ ترى في استمرار التصعيد ضرورة استراتيجية ، ومن هنا، فإن ما يقال في العلن يختلف كثيراً عمّا يجري خلف الكواليس ، خصوصاً فيما يتعلق بتقييم القدرات العسكرية الإيرانية ، وتماسك المؤسسة العسكرية ، ومدى صلابة البنية السياسية في طهران .
ومع ذلك ، يبقى الغضب الإسرائيلي متركزاً بصورة أساسية حول رفض باكستان إشراك الإسرائيليين في بعض مسارات التفاوض ، لكن ، وبرغم كل ما سبق ، فإن احتمالات الصدام الشامل تبقى مستبعدة ، فواشنطن تدرك أن الحرب الواسعة لا تخدم مصالحها الاستراتيجية ، كما أن الإسرائيليين يدركون بدورهم أن أي تراجع أمريكي عن دعمهم سيعني انكشافاً سياسياً وأمنياً غير مسبوق في المنطقة ، وفي المقابل ، يعرف ترمب جيداً أن القطيعة مع تل أبيب ستُفسَّر باعتبارها اعترافاً ضمنياً بأن واشنطن وقعت في فخ التقديرات الإسرائيلية الخاطئة بشأن إيران، وأنها استندت طوال المرحلة الماضية إلى معلومات مضللة دفعتها نحو خيارات مكلفة وغير محسوبة.
وعليه ، فإن سقوط النظام الإيراني يبدو احتمالاً بعيداً ، كما أن فتح مضيق هرمز دون اتفاق سياسي شامل يبقى أمراً مستبعداً أيضاً ، أما التهديدات الأمريكية المتكررة بتوجيه ضربات جديدة، فلن تغيّر كثيراً من معادلات القوة القائمة ، بقدر ما ستدفع الإيرانيين إلى ردود أكثر قسوة تجاه إسرائيل ، قبل أن يعود الجميع مجدداً إلى طاولة المفاوضات ، وفي موازاة ذلك، يغرق الإسرائيليون بصمت في وحل جنوب لبنان ، حيث تتزايد الخسائر البشرية والعسكرية بصورة لافتة ، وسط أزمة غير مسبوقة يعيشها جيش الاحتلال على المستويات العملياتية والمعنوية معاً، الأمر الذي يكشف حدود القوة الإسرائيلية أمام حروب الاستنزاف الطويلة ، ويضع حكومة نتيناهو أمام مأزق سياسي وعسكري متفاقم دون أفق واضح للحسم أو الخروج من الأزمة .
غير أن التحول الأهم في المنطقة لا يتعلق بإيران وحدها ، بل بصعود البحرية التركية ، فالأمريكيون باتوا يدركون أن الحروب المفتوحة إلى ما لا نهاية لم تعد خياراً مضمون النتائج ، خصوصاً في ظل تنامي القوة التركية بصورة متسارعة ، وتعمل أنقرة حالياً على استكمال بناء حاملة مقاتلات عملاقة بقدرات وطنية متقدمة ، الأمر الذي أثار قلقاً متزايداً داخل إسرائيل ، حتى إن بعض الأصوات الإسرائيلية بدأت تصف تركيا بأنها “إيران القادمة”، بل الاخطر ، واللافت أن المشروع البحري التركي تجاوز، من حيث الحجم والطموح التقني ، الحاملة الفرنسية الشهيرة ، ما يعني أن أنقرة تتجه لتصبح القوة البحرية الأكثر نفوذاً في شرق المتوسط .
وقد صُممت الحاملة لاستيعاب عشرات الطائرات المقاتلة والطائرات المسيّرة ، مع أنظمة إقلاع حديثة مدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي ، بما يمنح تركيا قدرة استراتيجية تمتد من البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الأطلسي ، كما أن المشروع يرتبط بعقيدة أمن قومي تركية أوسع ، تشمل حماية المصالح التركية في ليبيا والسودان والصومال والسواحل الإفريقية ، إلى جانب تعزيز قدرة أنقرة على التنقيب عن الطاقة وتأمين خطوط الملاحة البحرية ، ومن هذا المنطلق ، فإن على الإدارة الأمريكية إعادة النظر بعمق في التصورات الإسرائيلية لمستقبل المنطقة ، فإسرائيل لا تبدو مستعدة لتقبّل ظهور أي قوة إقليمية تمتلك قدرات عسكرية موازية أو منافسة ، بينما تتحرك تركيا وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى ترى أن مصالحها الجيوسياسية تتجاوز حدودها التقليدية وتحديداً مع إعلان عن تحالف بحري بين اسرائيل واليونان وقبرص .
وفي المدى المنظور ، قد تصبح تركيا أحد أهم اللاعبين داخل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو ، خصوصاً إذا تصاعد التوتر الدولي حول تايوان ، وهي معطيات تدفع واشنطن إلى الحذر من الانجرار الكامل خلف الحسابات الإسرائيلية ، لا سيما أن تل أبيب لم تحقق حتى الآن أهدافاً حاسمة في صراعاتها الأخيرة .
أما المستفيد الأكبر اقتصادياً من حالة التوتر العالمية ، فهي الولايات المتحدة نفسها ، التىّ حققت مكاسب هائلة من ارتفاع أسعار الطاقة ، وانتعاش أسواق السلاح والنفط ، فضلاً عن تنشيط بورصة وول ستريت بفعل الأزمات المتلاحقة.
