المرأة في خطاب سعاده: شريك أساسي في بناء النهضة

 

سعادة  عبد   الرحيم :

      قبل أن نغوص في تحليل رؤية أنطون سعاده لدور المرأة في المشروع النهضوي، لا بد من الوقوف عند نصه التأسيسي الذي يصلح بحد ذاته أن يكون دستوراً لهذه الرؤية. ففي كلمة له خاطب فيها السوريات والسوريين، وضع سعاده الإطار المتكامل لعلاقة المرأة بالعمل القومي، مؤكداً أن النهضة الشاملة لا تقوم بدونها. يقول سعاده:

“ليس العمل القومي وقفاً على الرجال. لن يكون العمل القومي قومياً حتى تشترك فيه المرأة وتكون عضواً عاملاً فيه. وإنني عندما فكرت بإمكانيات رجال سورية، فكرت أيضاً بإمكانيات المرأة السورية، التي كانت، في أدوار تاريخنا الخاص، عاملاً أساسياً في تقدمنا ورقينا، وفي تلك المدنية التي وزعناها على العالم.
قد يعجز الرجل أن يدرك بعقله ما تستطيع المرأة أن تدركه بقلبها. وكما يجب على الرجل أن يعمل في سبيل أمتنا، كذلك نريد من المرأة أن تكون عضواً عاملاً في مجتمعنا. نحن في حاجة شديدة إلى المرأة.
إنني أهنىء السوريات القوميات، هؤلاء اللواتي قد ابتدأن هذه الحياة القومية، وفتحن السبيل لأخواتهن السوريات اللواتي نتوخى منهن أن ينضممن إلى الحزب السوري القومي بالاندفاع ذاته الذي صار مع الرجل”.
هذا النص يحمل في طياته كل عناصر الرؤية السعادية للمرأة: نفي الاحتكار الذكوري للعمل القومي، التأكيد على أن القومية الحقيقية لا تكتمل دون مشاركة المرأة، الاستناد إلى الدور التاريخي للمرأة في حضارة سورية، الدعوة إلى العمل العضوي لا الهامشي، والمساواة في الاندفاع والالتزام. من خلال هذه الكلمات المؤسسة، يمكننا فهم كيف نظر سعاده إلى المرأة ليس كرديفة للرجل، بل كشريك أساسي في بناء النهضة.
أولاً: العمل القومي ليس وقفاً على الرجال
يؤسس سعاده لرؤيته بإعلان صريح لا لبس فيه: العمل القومي لا يمكن أن يكون حكراً على الرجال. فالحركة القومية الاجتماعية، بحكم أنها حركة نهضوية شاملة، تخاطب الأمة بكاملها، رجالاً ونساءً. تهميش المرأة يعني حرمان الأمة من نصف طاقتها، وهذا يتناقض مع مبدأ الشمولية الذي تقوم عليه العقيدة.
لذلك، يرفض سعاده أي تقسيم للأدوار يقوم على الجنس. فالرجل والمرأة معاً هما ركيزتا الأمة، وأي مشروع يغفل دور أحدهما هو مشروع ناقص، لا يستحق وصف “قومي”.
ثانياً: المساواة في القسم والحقوق والواجبات
من أبرز مظاهر رؤية سعاده أن المرأة في الحزب السوري القومي الاجتماعي تؤدي القسم ذاته الذي يؤديه الرجل. هذا ليس إجراءً شكلياً، بل هو تأكيد على أن الالتزام بالعقيدة واحد، والمسؤولية واحدة، والانتماء واحد. لا وجود لقسم “مخفف” للنساء، ولا لمسؤولية “محدودة” تتناسب مع جنسهن.
كما أن الحقوق والواجبات منصوص عليها في الدستور بشكل متساوٍ. فالمرأة لها حق الانتماء والعمل والترشح والانتخاب وتولي المسؤوليات، وعليها ذات الواجبات في الانضباط والجهاد والتضحية. هذا التساوي لم يكن مألوفاً في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، حيث كانت معظم الأحزاب والتنظيمات إما تهمش المرأة أو تمنحها أدواراً شكلية.
ثالثاً: المرأة عضو عامل وليست رديفة
سعاده لا يريد من المرأة أن تكون متفرجة أو مشجعة، بل عضواً عاملاً. هذا المصطلح يحمل دلالة عميقة: المرأة مشاركة في البناء، فاعلة في التغيير، مسؤولة في التنظيم. ليست “جناحاً” للرجل، بل هي عنصر أصيل في صلب الحركة.
العمل العضوي يعني أن المرأة موجودة في كل مواقع العمل القومي: في التنظيم، في التعبئة، في الإعداد، في المواجهة. حضورها ليس تجميلاً للصورة، بل ضرورة لاستكمال بناء الأمة.
رابعاً: إمكانيات المرأة – استناد إلى التاريخ
يستند سعاده في رؤيته إلى قراءة عميقة للتاريخ السوري. فالمرأة في حضارات سورية القديمة (سومرية ، اكادية ، كنعانية/فينيقية، تدمرية، آرامية …) لم تكن هامشية، بل كانت ملكات وقائدات وكاهنات، وساهمت في بناء تلك المدنية التي أضاءت العالم. سعاده يستدعي هذا الماضي ليقول: إن ما ندعو إليه ليس بدعة، بل هو استعادة لدور أصيل اغتصبه منا عصور الانحطاط والتخلف.
المرأة السورية تملك إمكانيات تاريخية مثبتة، والنهضة الجديدة تحتاج إلى استنهاض هذه الإمكانيات وتوظيفها في بناء المستقبل.
خامساً: الحاجة إلى المرأة – ضرورة وجودية
“نحن في حاجة شديدة إلى المرأة”.. هذه العبارة تحول القضية من “حق” تمنحه الرجال للنساء إلى “ضرورة” تحتاجها الأمة. المشاركة النسائية ليست ترفاً فكرياً أو تحسناً شكلياً، بل هي شرط لنجاح المشروع النهضوي.
المرأة نصف المجتمع، وهي المربية الأولى للأجيال. من خلالها تنتقل العقيدة إلى الأطفال، وتتشكل النشأة القومية للأبناء. كما أن المرأة قادرة على الوصول إلى أماكن يصعب على الرجل الوصول إليها في التعبئة والتنظيم. لذلك، فإن أي حركة تهمل المرأة تحكم على نفسها بالفشل.
سادساً: الاندفاع ذاته – معيار واحد للالتزام
يدعو سعاده النساء إلى الانضمام إلى الحزب “بالاندفاع ذاته الذي صار مع الرجل” . هذا تأكيد على أن معيار الانتماء واحد للجميع: الاندفاع العقائدي، وحرارة الالتزام، والاستعداد للتضحية. المرأة ليست مطلوباً منها أن تكون “أقل” اندفاعاً بحكم طبيعتها، ولا هي محكومة بأن تكون “أكثر” عاطفية. المطلوب هو ذات الاندفاع، ذات الجدية، ذات العزيمة.
هذه الدعوة تضع المرأة في موقع الندية الحقيقية: هي قادرة على العطاء بمستوى الرجل، بل قد تتفوق عليه في بعض المجالات كما يشير سعاده في موضع آخر
سابعاً: السوريات القوميات رائدات
يخص سعاده بالذكر “السوريات القوميات، هؤلاء اللواتي قد ابتدأن هذه الحياة القومية” . هذا تكريم للنساء اللواتي آمنّ بالمشروع منذ بداياته، وفتحن الطريق أمام غيرهن. هؤلاء الرائدات هن نموذج يُحتذى، وهن دليل على أن المرأة قادرة على أن تكون في المقدمة، لا في المؤخرة.
خاتمة
المرأة في خطاب سعاده ليست قضية هامشية ولا ملفاً مكملاً، بل هي ركيزة أساسية في مشروع النهضة. المساواة في القسم والحقوق والواجبات، والدعوة إلى العمل العضوي، والاستناد إلى التاريخ، والتأكيد على الاندفاع ذاته، كلها عناصر تشكل رؤية متكاملة لدور المرأة في بناء الأمة.
هذه الرؤية تجسدت في واقع الحركة، حيث كانت النساء منذ البداية عضوات عاملات، وقائدات، ومجاهدات، وحافظات للعقيدة عبر الأجيال. وهي تبقى اليوم دعوة مفتوحة لكل امرأة سورية أن تندفع بنفس الحماسة، لأن النهضة لا تكتمل إلا بمشاركة الجميع.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *