الأصالة القومية الاجتماعية وانهزام مشاريع التقليد

موفق قات: الكاريكاتير السوري ساهم في فضح إرهاب ووحشية نظام الأسد - المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة       مدخل: من غاندي إلى سعاده

في خضم الحرب العالمية الثانية، نشرت مجلة “الزوبعة” العدد 50 بونس ايرس تاريخ 1942/8/15 مقال عنوانه ” الزعامة السورية والزعامة الهندية” بقلم سعاده فيه مقارنة لافتة بين حركة غاندي الهندية والحركة السورية القومية الاجتماعية. لم تكن المقارنة بهدف المفاضلة بين الزعامات، بل لكشف حقيقة منهجية: الفارق بين زعامة تخلق روحًا جديدة في شعبها، وأخرى تظل أسيرة ظروف شعبها. فبينما كان غاندي يوجّه الهنود في 1942 إلى “أن يبتدئوا يشعرون أنهم أحرار”، كان سعاده قد أعلن قبل سبع سنوات: “إننا قد حررنا أنفسنا ضمن الحزب من السيادة الأجنبية”. هذه الفجوة الزمنية تعكس فجوة أعمق في مفهوم الزعامة ذاتها.

لكن المقارنة مع غاندي، مهما كانت دلالتها، تبقى محدودة إذا لم تتسع لتشمل الظاهرة الأكثر خطورة في تاريخنا الحديث: ظاهرة التقليد الفكري التي أنتجت مشاريع عروبية وماركسية فاشلة، وأوجدت مقولات باتهام الحزب السوري القومي الاجتماعي بتقليد النازية والفاشية. هنا تكمن المعركة الحقيقية: معركة المنهج بين الأصالة والتبعية.
اتهام التقليد وبراءة الأصالة
“نظام الحزب السوري القومي ليس نظامًا هتلريًا ولا نظامًا فاشستيًا، بل هو نظام سوري بحت لا يقوم على التقليد الذي لا يفيد شيئًا بل على الابتكار الأصلي”. هذا النص الصريح من خطاب سعاده المنهاجي الأول (1935) لم يمنع خصومه من ترديد تهمة التقليد. لماذا؟ لأن العقلية التابعة لا تستطيع تصور أن فكرًا أصيلًا يمكن أن ينبت من أرض سورية. هي لا ترى العالم إلا عبر مرايا الآخرين، فتحكم على كل جديد بأنه صورة مما تعرف.
النازية قامت على أسطورة “نقاء السلالة”، وسعاده يثبت في “نشوء الأمم” أن كل من يدّعي نقاء السلالة في أمة من الأمم يدّعي باطلًا. الفاشية قدست “الدولة التاريخية” كغاية في ذاتها، بينما يرى سعاده الأمة نتيجة حتمية لتفاعل عناصر المزيج السلالي مع بعضها ومع البيئة الطبيعية، وليس نتاجًا لانبثاق الدولة. الفارق جوهري: هناك من يصوغ نظريته من علم الاجتماع ومن واقع مجتمعه، وهناك من يقرأ واقعه من خلال نظريات الآخرين. الأولى تنتج حلولًا، والثانية تنتج أوهامًا.
القومية العربية: التعريف المستورد
منذ انطلاق الدعوة القومية العربية، وهي تردد تعريفًا للقومية مستوردًا من النظريات الأوروبية: لغة وتاريخ وعرق ودين. ستالين عرّف الأمة بهذه العناصر في “الماركسية والمسألة القومية”، وجاء العروبيون يرددون التعريف نفسه وكأنه حقيقة مطلقة لا تقبل المراجعة.
النتيجة كانت كارثة منهجية على المجتمع السوري. هذا التعريف لم يستطع صهر السوريين في أمة واحدة، لأنه يتجزأ ويتشظى. فالسوري مسيحي والآخر مسلم، هذا كردي وذلك شركسي، فكيف يجمعهم “الدين” أو “العرق”؟ الحل كان فرضيًا: إما الإنكار (لا وجود لأقليات) أو القمع (الوحدة بالقوة). سعاده يرى الأمة “الجماعة المشتركة اشتراكًا فعليًا في الحياة” بغض النظر عن العرق واللغة والدين. لم يفهم العروبيون أن المشكلة في التعريف نفسه، لا في الواقع.
هذه هي آفة التقليد: أن تنظر إلى مجتمعك من خلال نظارات صنعها آخرون ليروا بها مجتمعاتهم. العروبيون ظلوا أسرى إشكالية “الأقليات” لأنهم استوردوا السؤال مع الجواب، دون أن يدركوا أن المجتمعات تختلف في تكوينها، وأن ما يصلح لوصف مجتمع متجانس عرقيًا قد لا يصلح لوصف مجتمع مركب كالمجتمع السوري.
الماركسية السورية: نظرية الأقليات المستوردة
المأساة الماركسية في سورية لم تكن أقل فداحة. الماركسيون السوريون نظروا إلى مجتمعهم من خلال العدسة السوفياتية، فرأوا مجتمعهم مجموعة “أقليات” حيث توجد وحدة حياة تقوم على الاشتراك الفعلي بالحياة. عاملوا المجتمع السوري وكأنه نسخة طبق الأصل من الاتحاد السوفياتي، فقسموه إلى طوائف وقوميات، كل منها لها “حقوقها” التي يجب حمايتها.
النتيجة كانت ترسيخ الانقسامات بدلًا من تجاوزها. بل الأدهى أنهم قبلوا الاستعمار الاستيطاني في فلسطين “كأقلية جديدة” يجب التعامل معها ضمن إطار “حل الدولتين” قبل أن يولد المصطلح! هنا يصل التقليد إلى ذروة انفصاله عن الواقع: أن تتعامل مع مشروع استعماري يحتل وطنًا كما تتعامل مع أبناء الوطن يطالبون بحقوقهم.
هذا ما فعله النقل الحرفي للتجارب: جعل الماركسيين السوريين غير قادرين على رؤية خصوصية الصراع في بلادهم، لأن نظريتهم تقول إن الصراع طبقي وإن الاستعمار مجرد مرحلة، وإن الحل في تطبيق النموذج السوفياتي. غاب عنهم أن النموذج السوفياتي نفسه كان نتاج ظروف تاريخية واجتماعية خاصة لا يمكن استنساخها.
الأصالة القومية الاجتماعية: انبثاق النظرية من الواقع
ما ميز المشروع القومي الاجتماعي أنه لم ينطلق من نظرية مستوردة يطبقها على سورية، بل من سورية نفسها لينتج نظريته. هذا هو جوهر “الابتكار الأصلي” الذي تحدث عنه سعاده.
الأمة السورية عنده ليست تطبيقًا لنظرية ستالين ولا تقليدًا لنموذج فيشته أو هيردر. هي “مجموع السكان المستقرين في الهلال السوري الخصيب، المتميزين بهذا الاستقرار، المتحدين بالحياة مندمجين مع بعضهم اندماجًا طبيعيًا، وهم متكونين من عناصر مختلفة اندمجوا في بوتقة البيئة السورية وتمازجهم فيها تفاعلًا وامتزاجًا، فكونوا بذلك هيئة اجتماعية واحدة متى قيست بسواها من الأمم”.
هذا التعريف لا يستورد مفاهيم جاهزة، بل ينطلق من الوقائع: الاستقرار المستمر في بيئة جغرافية محددة، والتمازج الطبيعي عبر آلاف السنين، الذي أنتج هيئة اجتماعية متميزة. إنه تعريف عضوي، لا آلي. ينظر إلى المجتمع ككائن حي تطور عبر الزمن، لا كمجموعة عناصر ميكانيكية يمكن تركيبها وفصلها.
سعاده لم يلغ التنوع، بل جعله مصدر قوة وثراء. فالتنوع الديني واللغوي والثقافي في سورية لم يوقف وحدة الحياة للسكان في هوية واحدة، لأن عوامل التمازج والتفاعل مع البيئة كانت أقوى من عوامل الافتراق. هذه نظرة ديالكتيكية راقية تتفوق على النظرة الآلية التي تتعامل مع المجتمع كمجرد حاصل جمع لمكوناته.
دروس المنهج في زمن الانهيار: نحو أصالة متجددة
يمكن إجمال فشل المشاريع العروبية والماركسية في نقطة واحدة: كلاهما نظر إلى المجتمع السوري من خلال نظريات صنعها آخرون ليفهموا بها مجتمعاتهم. العروبي رأى “أمة عربية” حيث يوجد عالم عربي منه الأمة السورية المتعددة الأبعاد، والماركسي رأى مجتمعه “أقليات” حيث توجد وحدة الحياة. كلاهما أسقط نموذجًا خارجيًا على واقع لا يشبهه، فجاءت النتائج كارثية.
أما الاتهام للحزب القومي الاجتماعي بتقليد النازية أو الفاشية، فلم يكن أكثر من انعكاس لعقلية التابع التي لا تستطيع تصور إنتاج فكر أصيل. الذي لا يعرف كيف يبتكر يتهم الآخرين بالتقليد، لأن التقليد هو كل ما يعرف.
الدرس الذي تقدمه تجربة سعاده هو أن الخلاص يبدأ عندما تنظر إلى واقعك بعينيك، لا بعيون الآخرين. عندما تدرك أن “التجارب الاجتماعية السياسية في العالم تقوم على تفاعل عوامل ذاتية للمجتمع وعوامل خارجية لا تتكرر”، عندها فقط يمكنك أن تبتكر لا أن تقلد.
لكن هذا الدرس يطرح اليوم سؤالًا أكبر: كيف نبني الأصالة في زمن انهيار المشاريع التقليدية (البعث، الماركسية، الإسلام السياسي بتحولاته)، وهيمنة نماذج إقليمية ودولية جديدة؟ سوريا والعراق اليوم تعيشان مرحلة انتقالية، حيث يتصارع مشاريع إقليمية (إيرانية، تركية) ودولية (أميركية)، وسط تفكك النسيج الاجتماعي وتقسيمات طائفية وعراقيل.
في هذا الفراغ، لا يكفي استنساخ تجربة سعاده حرفيًا، فهذا عين التقليد. المطلوب هو استعادة منهجه: أن ننظر إلى واقعنا بعيوننا، وأن ننتج قراءة جديدة للهلال السوري الخصيب تأخذ بعين الاعتبار تحولات القرن. انهيار الدولة الوطنية، صعود النفوذ الإيراني والتركي، الاحتلال الأميركي، التقسيمات الطائفية، وتفكك النسيج الاجتماعي — كلها وقائع جديدة تتطلب أدوات جديدة، بروح سعاده ذاتها: عدم الخضوع لأي نموذج جاهز، والثقة بقدرة أبناء هذه الأرض على فهم خصوصيتهم.

في زمن الانهيارات الكبرى، تبقى الأصالة المنهجية هي البوصلة الوحيدة القادرة على إخراجنا من متاهات التبعية. المشاريع المستوردة أثبتت فشلها الذريع، ولم يعد ينفع معها الترقيع. المستقبل لن يُبنى بنماذج مستوردة، بل بقراءة جديدة لواقعنا، وبجرأة على الابتكار كما فعل سعاده قبل قرن. هذا هو الفارق بين من يصنع تاريخه ومن يكرر تاريخ غيره.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *