عندما يسقط القناع عن القناع !
مهما بلغ تنكر النظم الديكتاتورية, التي تدعي العلمانية (شكليا) للدين , تبقى هذه النظم بنيويا دينية , وذلك في مسلكيتها وبنائها الداخلي وهرميتها , والأمثلة على السياسة التي ادعت العلمانية ومارست الدينية كثيرة , جمال عبد الناصر , كان الرئيس الذي أدخل في الدستور المصري الكثير من التشاريع الدينية , وذلك في نفس العام الذي اعدم به زعيم الاخوان سيد قطب , مسلكية أنور السادات لم تختلف عن سلوكية عبد الناصر , وفي معظم الدول العربية الأخرى يتبوأ الاخونج مراكز مهمة في الهيمنة ,حيث يفرض شرائعه الدينية على البشر في كل مجالات الحياة , في الحقوق والواجبات والعلاقات العامة والخاصة وقوانين العقوبات والزيجات , لولا هيمنة الاخونج في العديد من الدول العربية التي يدعي بعضها العلمانية , لما كان هناك تعدد زوجات , (باستثناء تونس , حيث تعدد الزيجات ممنوع منذ خمسيانات القرن الماضي ), ولما كان من الممكن تشريع زيجات مشبوهة مثل زواج المسيار والمتعة وتزويج القاصرات كما هو الحال الآن في العراق… الخ.
ينفرد الدين المقدس وكتابه باملاء معظم مواد الدساتير , خاصة قوانين الأحوال الشخصية , وبالتالي يفرض على الجميع مايراه متفقا مع الشريعة , وليس على القطيع سوى الانصياع !,والا سلط السيف على رقبته بعد تكفيره !.
لمسلكية رجال الفقه ورجال الدين قالبا دينيا وقلبا سياسيا , أما الديكتاتور , فله قالبا سياسيا وقلبا دينيا , هذا” القائد ” لايرى للوطن وفي البلاد انسانا أكثر منه كفاءة , انه الصالح بشكل مطلق , وصلاحيته لاتنتهي حتى بموته , ان مات فيحكم من القبر , انه مقدس ! , انه الأب والأم والأخ , انه ولي الأمر ,لا منازع لسلطانه , انه المتسلط الهووي , الذي يصبغ هويته على كل شيئ , على الانسان والأرض والقيم .
في وطن يعرف الاستقلال الشكلي كجمهورية منذ أكثر من مئة عام , منها نصف قرن تحت سلطة عائلة الأسد , فلكي تصبح السلطة أبدية كسلطة الله يجب على المتسلط أن يتأله , ولا بد من استنباط منهجية تسمح للرئيس الجمهوري أن يصبح ملكا مورثا ووارثا اي جملوكيا , والملكية تتطلب كالنبوة الكثير من القدسية , فعلى الطبل أن يقرع مروجا لهذه القدسية , لذا يتم تجنيد الصور والهتافات والمسيرات والشعارات , التي تدمج الأب والابن والأخ والأخت في وحدة الهية مقدسة , كلهم رؤساء وملوك في آن واحد , والنية بل الهدف من اظهارهم بهذا الشكل المتحد الموحد , هو تعويد الشعب على صيغة التوريث , وعلى صيغة الربط المحكم بين البيت أو الأسرة وبين الدولة , انها صيغة البيت الحاكم, هنا لا خلاف على الأسماء ….رئيس جمهورية , أو ملك مملكة , المهم كان صيغة سوريا “الأسد” !.
يمثل الرئيس الشكلي والملك الفعلي وضعا شاذا يجب تمويهه , والتمويه يتم باستخدام القناع ,لذا يوضع قناع “الحزب العلماني” على وجه الحزب- الطائفي , وقناع “الطائفة ” يوضع على وجه العائلة , وقناع “العائلة ” يوضع على وجه الأسرة , وقناع” الأسرة ” يوضع على وجه الشخص , أي من الحزب الى الشخص , ومن الشخص الى الحزب , وما يريده الشخص يتم عن طريق الحزب الشكلي , وللتوضيح نأخذ المادة الثامنة , التي قالت ان الحزب هو قائد الدولة والمجتمع للأبد , تتسلل هذه القيادة الأبدية عبر المحطات المذكورة متخفية خلف الأقنعة التي ذكرت, أي من الحزب الى الشخص , وبالنتيجة يصبح الأسد رئيسا الى الأبد , أي ملكا بدون تاج !!!
يبدو التسلسل وحيد الاتجاه , أي من الحزب الى الشخص , حيث يتم تقزيم الحزب وتضخيم الشخص الى أن يصبح الشخص الكل بالكل , وبذلك يتمكن من تحريك الحزب الضامر القزم كما يحرك جند وقلاع وخيول الشطرنج , تتطلب سهولة تحريك الأصنام تحويل شعب الحزب الى أزلام بدون عقل أو فكر وانما بريع يدفعه الشعب وهو صاغر كالجزية , لاضرورة لكون الزبانية عقائدية , فالتابع العقائدي متعب مقارنة مع التابع الانتهازي الامتيازي, لذلك لم يبق في الحزب عقائدي واحد , تحول معظمهم أو أكثريتهم الساحقة الى امتيازيين أو انتهازيين , يجمعهم الطبل وتفرقهم العصا ,يعتاشون من ارهاب الفساد والسلبطة وممارسة الواسطة , انهم فوق القانون كبعض رجال الدين , الذين يعتاشون من الترهيب والترغيب , جلس رجال الدين على الكتاب , والملك جلس على المادة الثامنة , الهدف كان نصرة رجال الدين ونصرة الملك , وأبدية الاثنين ,هكذا كانت باختصار جملوكية سورية الأسد…!
Post Views: 74