جورج بنا روبا منصور :
لاتتوقف الجماعات السورية عن تقديم المفاجأة تلو الأخرى , وكل مفاجأة كانت أسوء من سابقتها , انفلتت الهمجية بما يخص القتل والتدمير والسحل والصلب والخطف والتعفيش كان مفاجأة كبيرة ألغت الكثير مما روج عن عقلانية هذه الجماعات , عودة مفاهيم سفر برلك المتمثلة باصطياد الناس لزجهم في أتون الموت كان مفاجأة من النوع المخجل والمقرف والمؤلم , اصطياد الشباب وسوقهم للخدمة العسكرية قسرا كان اعترافا غير مباشر بأن هذا الذي يسموه وطنا ليس جديرا بالخدمة والتضحية في سبيله ,ولو كان هذا المسمى “وطن” فعلا وطن , لما كان من الضروري ارسال الناس الى الخدمة العسكرية قسرا وعنوة ,كما رأيناه في دوائر التجنيد ايام الأسد حيث تم نقل الشباب مقيدين بالسلاسل الحديدية لمراكز التدريب ,وبعد اسبوع تدريب انفلت الرصاص ليقتل الجميع , حقيقة لانعرف تمظهرا حضاريا لهذا الشعب في السنين الأخيرة , شعب امتلك فائض من أسباب للثورة ..يثور !, ثم يسمح لاجرام الفصائل المسلحة بالقضاء على ثورته من عام ٢٠١١ ,شعب مفصوم ومفطوم على الدجل, ولو لم يكن الأمر كذلك لما اتحف هذا الشعب بالجولاني والأسدي قبله !.
يتسم معظم مايحدث في هذه البلاد بميزة “العنف” ان كانت همجية التحارب أو سوق شباب قسرا الى الحرب أو هروب الشباب الى دول مجاورة هربا من التجنيد الاجباري , حتى الفساد كان عنف والمادة الثامنة كانت عنف , بيع النساء بالمهر ثم زواج القاصرات وتعدد الزوجات عنف لايوصف , أما العنف الذي نريد أصلا التحدث عنه ايضا فهو عنف ممارسة جرائم الشرف , اليست مفاجأة عندما يقال بأن سويا تتصدر كل دول العالم بارتكاب جرائم الشرف , التي هي عنف حلال بنظر الفقهاء .
هل هناك مخلوق مؤنسن يمكنه اعتبار قتل المرأة على خلفية الدفاع عن الشرف أمرا أخلاقيا ؟ , وهل هناك من مخلوق مؤنسن يمكنه اعتبار القانون الذي لايعاقب مرتكب الجريمة كمجرم ,نعم !,كل ذلك سوري والممارسة التي تتصدر بها سوريا العالم هي ممارسة سورية , والقانون الذي يشجع هذه الممارسة هو قانون سوري , لذلك يمكن القول بأن المجتمع السوري هو مجتمع “المفاجأة ” هو مجتمع التمويه والتزوير , مجتمع تناقض القالب مع القلب,مجتمع البدلة الرسمية فوق الجلابية ..مجتمع الغش والادعاء!!
تنجم ممارسة جريمة الشرف عن غياب كامل “للشرف” عند مرتكبها ,عنف يشجعه خلل كبير في التوازن العقلي -الاجتماعي , تشجعه ثقافة التمييز بين البشر ووضع المرأة في مرتبة أدنى من مرتبة الرجل بدرجات ,تشجعه ثقافة الخرافة والتقاليد والأعراف العمياء , تشجعة نذالة الذكورية التي فشلت خارج منظومة البيت في التحول الى رجولة , لذلك على الرجولة التحول في البيت الى ذكورية حيوانية , تنتقم من المرأة لأنها تعلمت بعض الشيئ , ونهضت بعض الشيئ, وتحررت بعض الشيئ وتريد الاستقلال بعض الشيئ ,تريد البرهنة على أنها ليست “شيئ” يشترى ويباعع ويتم تزويجه قسرا , المرأة وكل انسان لايقبل طوعا “تشييئه” والتعامل معه كبضاعة , الذكر الوحش يرى في تقدم المرأة تأخره وتناقص امتيازاته بخصوص تملكه للمرأة والوصاية عليها , محاولة تمردها على الحياة في القفص هو بمثابة الحكم بالتصفية التي يمارسها ذلك الحيوان المذكر في العديد من الحالات “مشهديا” وبكل فخر واعتزاز .
الخلفية الأكثر تواترا في جرائم الشرف هي زواج المرأة من رجل لاتريده منظومة الأسرة الأبوية , أو انشاء علاقة مع رجل خارج نطاق الزواج الرسمي , يتم القتل دفاعا عن الشرف عادةعلى يد أقرباء الضحية , الأخ يتصدر عادة قائمة المدافعين عن الشرف المعطوب , تصوروا تلك المعادلة , أخ يذبح أخته من الوريد الى الويد لأنها تزوجت شخصا لاترغب الأسرة به ,كونها شخصيا ترغب به هو أمر لاقيمة له لأنها ليست “شخصا” وانما شيئ فقط .
الكارثة لاتقتصر على عملية القتل الفيزيائي بالذبح , هناك اشكال أخرى للفتك بالمرأة التي تعترض على وضعها في مرتبة أدنى من مرتبة الرجل ,هناك الاغتيال الاجتماعي والقتل المعنوي وقائمة طويلة من العقوبات التي يجب تطبيقها على المرأة المعترضة والمتمردة , فما يخص المرأة في تعريضها لعنف الاغتيال والتصفية هو فرع من فروع ظاهرة التعنيف التي تحاصر الانسان السوري من ستة جوانب على الأقل!.. القتل المعنوي هو بمثابة تمويت بطيئ للمرأة التي يعتبرها المجتمع الجاهل “معطوبة “, يحاصرها ويذلها ويمتهن كرامتها ويدفعها بالنهاية الى وضع حد لحياتها .. انه الانتحار وكأننا في قندهار !
