مشروع امريكا لتحويل محمد الجولاني الی أحمد الشرع وتقسيم سوريا:

كاريكاتير / تقسيم سوريا على طريقة الجولاني - أبنا العربية    اللعبة التي يظنها الجولاني طريقاً نحو الشرعية، ليست سوى مسار انتحاري يقود مستقبلاً إلى العزلة الدولية. فالعواصم الغربية والإقليمية، التي تراقب بقلق عودة داعش والقاعدة بأشكال مختلفة، لن تنخدع بمسرحية “التجنيس”. بل سترى في خطوته هذه محاولة مكشوفة لتحويل سوريا إلى ملاذ شرعي للإرهاب العابر للحدود، يهدد أمن المنطقة والعالم.

الأخطر من البعد السياسي هو ما يمسّ هوية سوريا نفسها. فبلد عُرف على مدى آلاف السنين بتعدديته الدينية والثقافية، يواجه اليوم أخطر تهديد لهويته الجامعة. إدخال آلاف المقاتلين الأجانب بعقائد متشددة لا يرى أصحابها في المختلف سوى “عدو يجب تصفيته”، يعني تفجير النسيج الاجتماعي من الداخل. كيف يمكن لمدن عريقة كدمشق أو حلب أن تحافظ على طابعها التاريخي إذا غُرست فيها مجتمعات هجينة تفرض ثقافة الغريب وسلوكه بالقوة؟

هنا تكمن الكارثة الكبرى: الجنسية، التي يفترض أن تكون عقد ولاء للأرض والشعب والتاريخ، تتحول على يد الجولاني إلى مجرد أداة لتشريع وجود الغرباء وتثبيتهم كأمر واقع. وما يُسوّق على أنه “إدماج” ليس إلا عملية تدنيس للهوية الوطنية، ومسخ لمعنى الانتماء. إنها ليست قضية أوراق ثبوتية فحسب، بل مجزرة باردة للهوية السورية، تُنفَّذ بلا قصف ولا رصاص، ولكن بآثار مدمرة تمتد لعقود قادمة، وتزرع بذور صراعات لا تنتهي بين “السوري الأصيل” و”المواطن المصطنع”.

بكلمات أخرى، مشروع التجنيس ليس فقط رصاصة في قلب السياسة السورية، بل سكين في عنق الهوية الوطنية، يقطع شرايينها ببطء تحت شعارات كاذبة عن “الشرعية” و”الاستقرار”.

من التجنيس إلى الكارثة

من يعتقد أن إدماج المقاتل الأجنبي عبر التجنيس أو الزواج أو التوطين القسري يمكن أن يكون حلاً مرحلياً، عليه أن يعود قليلاً إلى التاريخ القريب ليدرك أن هذه الوصفة لا تنتج استقراراً، بل تُخفي بذور كارثة أكبر. فالتجارب المماثلة في بلدان شهدت حروباً دامية أثبتت أن المتطرف حين يتحوّل فجأة إلى “مواطن”، لا يذوب في المجتمع الجديد كما يتوهّم البعض، بل يُعيد تشكيله وفق قناعاته، ويفرض عليه ثقافته وسلوكه، ويزرع فيه خطوط انقسام يصعب محوها.

في أفغانستان الثمانينيات، بقي “الأفغان العرب” بعد انسحاب الجيش السوفييتي، بعضهم تزوج محلياً وبعضهم وجد ملاذاً دائماً في الجبال والقرى. لم ينصهروا في المجتمع كما كان يُنتظر، بل كوّنوا شبكة أيديولوجية مسلّحة كانت النواة الصلبة لتنظيم القاعدة. وما لبثت هذه الشبكة أن تجاوزت حدود أفغانستان، لتتحول إلى ماكينة عنف عابرة للقارات، صدّرت الإرهاب إلى كل بقاع العالم على مدى عقود. تجربة أفغانستان تؤكد أن الدمج لم يكن حلاً، بل بداية مأساة عالمية.

في العراق بعد عام 2014، أعاد تنظيم داعش إنتاج نفس السيناريو لكن بلمسة أكثر قسوة. فقد عمل على تزويج مقاتليه الأجانب بنساء محليات، وزّع وثائق داخلية بديلاً عن الجنسية، وفرض واقعاً سكانياً جديداً في الموصل ومناطق أخرى. وحتى بعد تحرير المدن عسكرياً، لم يختفِ الأثر: أطفال وُلدوا في ظل “خلافة” غير معترف بها، أنساب متنازع عليها، زيجات قسرية خلّفت جراحاً اجتماعية عميقة. المجتمع العراقي لم يستطع حتى اليوم أن يتجاوز هذا الإرث؛ فالمعركة الحقيقية لم تكن فقط ضد داعش، بل ضد نتائجه السامة التي ظلت حية في النسيج الاجتماعي.

أما في البوسنة والهرسك، فقد كانت المأساة مختلفة الشكل، لكنها متشابهة في الجوهر. فبعد انتهاء الحرب في التسعينيات، حصل عدد من المقاتلين الأجانب على جنسيات بوسنية عبر ثغرات قانونية أو بزواج من محليات. وبمرور الوقت، اندمج هؤلاء ظاهرياً في المجتمع، لكن بعضهم تحول لاحقاً إلى خلايا نائمة استُخدمت في تنفيذ عمليات إرهابية في قلب أوروبا. ما بدا وقتها خطوة “إنسانية” لاستيعاب مقاتلين عالقين في أرض بعيدة، أثبت لاحقاً أنه خطأ استراتيجي دفع ثمنه الأمن الأوروبي نفسه.

الخيط الناظم بين هذه التجارب جميعاً واضح: التجنيس أو الدمج القسري للمقاتلين الأجانب لا ينهي الأزمة، بل يؤسس لجولة أعنف من العنف، جولة تتخفى وراء أوراق ثبوتية وقرارات سياسية، لكنها تضرب في عمق المجتمع وتفكك هويته الوطنية. وإذا كان هذا هو حال دول تملك دعماً دولياً ومؤسسات قادرة على التعافي جزئياً، فكيف سيكون الحال في سوريا الممزقة، ذات البنية الاجتماعية الهشة والانقسامات العميقة أصلاً؟ هنا يصبح السيناريو أكثر كارثية، حيث قد يتحول التجنيس إلى قنبلة موقوتة، لا تهدد سوريا وحدها، بل المنطقة بأكملها.

انعكاسات إقليمية ودولية

المسألة لا تقف عند حدود سوريا ولا يمكن النظر إليها كإشكال داخلي فحسب. تجنيس المقاتلين الأجانب وتحويلهم إلى “مواطنين سوريين” سيخلق واقعة غير مسبوقة في المنطقة: جماعات متشددة تحمل أوراقاً رسمية، وتستند إلى شرعية شكلية تجعل مواجهتها قانونياً وسياسياً أكثر تعقيداً. هذه الخطوة ستجعل من سوريا نقطة جذب دائمة لكل من يبحث عن ملاذ آمن، ليس كلاجئ أو مقاتل عابر، بل كمواطن جديد له حقوق وامتيازات يمكن استغلالها في تثبيت وجوده. وهنا تكمن الخطورة الكبرى: فبدلاً من أن تكون سوريا ساحة حرب محدودة زمنياً، قد تتحول إلى كيان دائم يشرعن التطرف ويؤطره في مؤسسات تبدو “قانونية”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *