أصبح الانسان في هذا العصر , وحتى في بعض العصور الأقدم وفي بعض مناطق العالم مواطنا , لا وجود لمواطن بدون وطن , ولم يعرف السوريون وطنا لهم الا على يد سايكس -بيكو المؤسس لأول مشروع دولة في سوريا وبقية كيانات المنطقة , فطوال ٤٠٠ سنة عثمانية لم تكن هناك دولة سورية , ولم يكن هناك وطنا سوريا , وطوال ١٠٠٠ سنة عربية حجازية , لم تكن هناك دولة سورية , ولم يكن هناك وطنا سوريا , انما ولاية سورية في اطار امبراطورية محمدية عربية بدوية حجازية , وبعدها في اطار امبراطورية عثمانية طورانية مغولية , ولكن كان هناك ومنذ آلاف السنين منطقة عشوائية الحدود مقارنة بخرائط الحدود دقيقة الترسيم في هذا العصر , اسمها سوريا , ولتسمية المنطقة باسم سوريا , العديد من التفسيرات والشروحات , التي لاتهم الحاضر والمستقبل بكثير ,أسم المنطقة الجغرافية سوريا منذ اكثر من ٨٠٠٠ سنة , وشعوب هذه المنطقة تبعا لذلك سوريين , بغض النظر عن الأصول العرقية , فمن عاش على الأرض السورية هو سوري وانتمائه وهويته سورية ,لافرق بين سوري وآخر مهما كان أصله وفصله .
لم تكن هناك في الزمن القديم دولا بالمعنى العصري لهذه المفردة , كانت هناك مناطق وكيانات بشرية بأعراف عشائرية قبلية أو أعراف أخرى مميزة ومختلفة عن قوانين ومفاهيم الدولة الحديثة , باستثناء بعض الحالات مثل حالة روما , التي كانت “دولة” حتى في الزمن القديم ,حتى انها تحولت الى جمهورية , لقد كانت دولة القانون , التي أخذت أوروبا الحديثة عنها مفهوم ” دولة القانون” , اليونان القديمة كانت أيضا دولة بمفهوم عصري , شرحه أرسطو ومارسته الهيلينية بجدارة , دولة أرسطو هي الكيان , الذي تم به تفاعل الحقوق والواجبات بين المواطن والوطن , الكيان تحول الى دولة , لكونه منظما من قبل قانون مشتق من ارادة الشعب المباشرة أو اللامباشرة , الدولة تعني سلطة وشعب بعقد اجتماعي أي قانون , ترعاه الدولة وتنفذ بندوه وتحتكر العنف الضروري لتنفيذ أحكام القانون (ماكس فيبر) .
أتى الدين مع الاحتلال العربي الحجازي الى بلاد الشام , أو ماسميت سورية الكبرى , وفي جوفه عروبة قبلية عشائرية ,ووضع بالسيف سكان بلاد الشام تحت سلطته , بغض النظر عن أصل وفصل هؤلاء السكان , انهم سوريون نسبة للأرض السورية ,ليسوا عربا لأن الأرض سوريا وليست عرابيا , كون بعضهم من أصول عرقية عربية لاينفي سوريتهم , ولا نعرف أصلا ماذا تعني عبارة أصل عربي ! , هل هي كروموزومات عربية , أو حيواناتت منوية عربية ؟؟, أم ماذا ؟ , الهوية السورية انسانية جغرافية وليست عرقية عنصرية أو دينية عنصرية أو عنصرية ثقافية أو عنصرية بشكل ما , لايمكن للأرض أن تكون عنصرية ..!
لقد انتعشت مؤخرا مفاهيم ألأصل والفصل , كتبرير وتمهيد لشرعنة الهيمنة , الادعاء بأن الله عربي كآدم وبأن الهنود والأسبان وسكان دمشق وأذربيجان وغيرهم عربا , ليس سوى ممارسة لعنصرية مذلة , ليس في هذا العصر فحسب ,لقد كانت مذلة في الزمن القديم ايضا , فقبل ٢٠٠٠ سنة طبقت روما المساواة بين كل شعوب الأمبراطورية وبين روما , اختراع الأصل والفصل كان ضروريا لتبرير وبالتالي للوصول الى هيمنة أصل على الأصول , التعامل مع الأصول بهذا الشكل , كان تعامل بمادة العنصرية , التي لم يعد لها من وجود سوى في أمخاخ بعض المعاقين عقليا ووجدانيا من الذين يعتبرون نفسهم عربا(مستعربين ) , لقد مارسوا بذلك المعاوضة عن الكسل والفشل , كسل وفشل لاعتمادهم الموروث على السيف وعلى غنائم الحروب , وما العمل عندما يصدأ السيف ولم يعد بالامكان استخدامه للنهب والسلب والسبي ؟,هنا لابد من سيف آخر كان العنصرية , وادعاء التفوق العنصري المبرر للهيمنة كخير أمة , التي كان التعريب جزءا منها وسندا لها .
نعود لتقديم الشكر لسايكس-بيكو , لأن سايكس-بيكو قدم لأقل من مليونين من السوريين , وطنا لائقا على الأرض , وبالعديد من امكانيات النجاح , فمساحة الأرض أكثر من كافية , وامكانية هذه الأرض على الانتاج أكثر من وافية , اضافة الى ذلك قدم الاعتراف الدولي , ثم تم وضع البلاد تحت الانتداب , الذي أزعجنا طوله في البداية , والآن نتحسر عليه بسبب قصره , فخلال ربع قرن من الزمن تم في سوريا انجاز أضعاف أضعاف ماتم انجازه خلال ١٤ قرنا , أي أن طرد العثمانيين كان منقذا لشعوب مستعمراتهم , حتى أن وضع نهاية لمفهوم الخلافة بشكل عام كان بمثابة عملية انقاذ للبشرية لايقدر بثمن !.
سايكس بيكو لم يجزئ الموحد , لأن الموحد بسيف سليم الأول وسيف خالد ابن الوليد أو عمر ابن العاص أو عقبة بن نافع … لم يكن أصلا واحد , وضعت السياسة الأمبراطورية كل أجزاء هذه الأمبراطورية تحت سلطة واحدة هي سلطة الأمبراطورية , وحدة السلطة الأمبراطورية لاتعني وحدة شعوب الأمبراطوية , مصر او سوريا أو المغرب أو اسبانيا وغيرهم , كانوا أجزاء من امبراطورية واحدة , ولم يكونوا أجزاء شعب واحد , ولا تنطبق عليهم صفة شعب – دولة ,ولا تنطبق صفة الدولة على الأمبراطورية , خاصة الأمبراطورية الحجازية -العثمانية , بعكس الأمبراطورية الرومانية , التي كانت بسبب عامل المساواة وسيادة القانون قريبة جدا من الدولة, في حين كانت الأمبراطورية العربية -العثمانية بعيدة جدا عن الدولة , وذلك بسبب فقدان عامل المساواة بين شعوب هذه الأمبراطورية وبين مركز هذه الأمبراطوية , وبسبب فقدان القانون الوضعي ,فالشريعة لم تكن قانونا وضعيا .
كانت الخلافة كيانا دينيا-سلطويا استمد شرعيته من الشريعة المحمدية , لذلك فان اعتبار البلدان العربية وحدة هو ترجمة للمفهوم الأمبراطوري , وحدتهم كانت وحدة من احتل بلادهم وأذلهم وأسلمهم و غيير لغتهم وسرقهم وسبى بناتهم ونسائهم , وحدة شعوب الأمبراطورية كانت في الشقاء المشترك وفي العبودية المشتركة وفي استغلالهم جميعا , انهم واحد في كونهم جميعا مستعمرة حجازية -عثمانية , وحدتهم كانت في اجبارهم على دفع الجزية عن يد وهم صاغرون وفي ممارسة الطورقة , وحدتهم كانت في تعرضهم لتطبيق مفاهيم العنصرية كما جاء في العهدة العمرية , وحدتهم كانت في مبدأ أسلم تسلم ومبدأ الولاء والبراء ثم عدم المساواة, كما جاء في مذلة عهدة ابن الخطاب , انها وحدة الساطور المسلط على رقاب شعوب ليست واحدة , وضعها الأمبراطور أو الخليفة تحت ادارة واحدة ,اي كانت ادارة واحدة لشعوب مختلفة , والمشيئة الواحدة كانت مشيئة الخلافة !.
أصاب أنطون سعادة بقوله ان العروبة , التي احتضنت كل هذا الفجور كانت مرضا نفسيا , فالعروبة كانت افرازا أو ترجمة للمفهوم الأمبراطوري الاحتلالي الاستيلائي , الذي هو المرض بعينه …!