التفاهة وهيمنتها , بين المقامات السياسية والقامات السياسية …
ممدوح بيطار , عثمان لي :
التفاهة ليست جديدة على العالم , انها على سبيل المثال خاصة من خواص ماتسمى الكتب المقدسة المنقولة عن بعضها البعض , كما هو الحال بما يخص كتب آخر الأديان , الذي شكلت التفاهة حيزا كبير من منقولاته الأسطورية من كتب أولاد العم , نستطيع هنا القول ان انتشار التفاهة تزايد مع تزايد امكانيات التواصل الاجتماعي, ونستطيع القول ان تحمل ثقافة التفاهة في هذا العصر تناقص , ولذلك العديد من الأسباب ,منها على سبيل الذكر كون عالم اليوم علمي بالدرجة الأولى الخ .
عاد تناقص المقدرة والارادة على تحمل التفاهة الى ارتفاع حساسية البعض تجاه ثقافة تافهة تغتصب العقول وتؤهل هذه العقول للتسطح , هنا اصطدمت الحساسية مع جهة قلة التعمق الثقافي أي التفاهة , اي هناك استقطاب واحتكار كثرة الشعبوية للتفاهة , ثم هناك جبهة الثقافة والتعمق الأقوى من جبهة العموم والأقل عددا من عدد او نسبة الشعبوية العمومية , التي تعتمد على التلقين السطحي من قبل وسائل الاعلام خاصة التواصل الاجتماعي , الذي لايروج عمدا للتفاهة , ولكنه لايقاوم انتشار التفاهة , لأنه مبني أصلا على حرية الرأي وحماية الفكر , أيا كان هذا الفكر وكيفما كان .
باختصار هناك كثرة وقعت في مطب السطحية والتفاهة , وهناك قلة لاتزال ملتزمة بالعلم والأدب والعمل والتطور الى الأفضل , هناك كثرة لم تتمكن من ادراك تحولها الى “سلعة” , وهناك قلة ادركت ذلك التطور “السلعي ” ولكنها لاتواجه ” السلعية ” بشكل فعال ومؤثر بالشكل المطلوب , هذا ما نلاحظه على هذه الصفحة , التي لم تنشأ قبل عشرات السنين لتنقل الأخبار المثيرة حول الفضائح مثل القتل والاغتصاب والظلم فقط الخ , انما لتحلل وتنقد هذا التطور مستخدمة تلك الأخبار وليست ناقلة لأخبار التواصل الاجتماعي فقط , لذلك اشترط سيريانو وسيريانو جورنال على سبيل المثال ارفاق نشر اي صورة او شريط مسجل أو شعار بنص شارح ومحلل وناقد لما جاء في الصورة او الشريط المسجل أو الشعار , للأسف لم يتمكن سيريانو وسيريانو جورنال من فرض النص التحليلي الناقد بالشكل المطلوب , وبقي تقديم الصورة أو الشريط الاخباري أو الشعار في بعض الحالات بدون شرح او توضيح أو تحليل أو نقد , للأمانة يجب القول ان التطور في هذا الخصوص ايجابي بعض الشيئ , الا أنه أبطأ من المطلوب .
عشنا منذ قديم الزمان ولا نزال الى اليوم نعيش مع “التفاهة” التي استغلت بشكل قبيح التقدم التكنولوجي في نشرها وتمددها , التفاهة معقدة وممثلة لاغتصاب العقل , الذي سهلت التكنولوجيا تعميمه وحتى فرض سياقه وتسطحه على المجتمعات , مما مثل مشروعا لابادة العقل على يد جائحة التفاهة والتسطح الفكري , ثم ” سلعنة ” التفاهة وتحويلها الى دكانة لبيع الأوهام والاجرام في سوق يخضع الى احكام الربح والخسارة المادية , لاتأبه دكانة التفاهة بالفكر العلمي الأخلاقي العميق الممثل لمصدر القيم الجيدة والجميلة, ولا تأبه تلك الدكانة بالتنوير انما بالتسلية المربحة على أعلى المستويات , ولكي يرتفع مستوى الربح المادي لا تتردد التفاهة في التوظيف المادي العملاق ,حتى لو قاد هذا التوظيف المادي الى التسفل بدلا من الترفع , لايقتصر التسفل على التسلية والابتعاد عن الجدية واهمال التعمق والأخلاق , لقد تمدد ليشمل موضوع الحق والباطل , حيث حل مفهوم حق القوة مكان مفهوم قوة الحق , حل مفهوم الثأر مكان مفهوم المسامحة والغفران , ثم الكذب مكان الصدق, الاستسلام للأزمة بدلا من مواجهة الأزمة والعديد من الأمور الأخرى , انتشار كل ذلك كان على اقصاه بين الجماعات التي لاتعمل ولا تفكر مثل الجماعات العربية , والتي لاتدار علميا انما دينيا , تدار ديكتاتوريا وليس ديموقراطيا , لاهم للقوى الديكتاتورية سوى تحقيق اعلى درجة من المكاسب الشخصية مثل المال على سبيل المثال , ماذا أراد الديكتاتور العربي غير المادي ؟, وهل يمكن تحمل الهراء الذي يتقيأه هؤلاء بكل عبارة تخرج من فمهم , كرس هؤلاء مع وزرائهم واذيالهم وزبانيتهم ما يسمى “ثقافة او حضارة الفرجة ” على حد تعبير ماريو بارغاس يوسا , انهم حقا للفرجة المثيرة للاندهاش والتعجب , كيف تمكن هؤلاء المهرجين من الوصول الى تلك المقامات السياسة بدون تملكهم لأي من خصائص “القامة” السياسية !!! , هل يمكن حصر تلك التطورات بخصوص ثقافة الفرجة بمقدرة هؤلاء المهرجين , او بالدرجة الأولى بقابلية الشعوب الأمية المدمنة على الانصياع للتفاهة وما تتضمنه من ترسخ الفساد والعبودية في نفوس الكثر .
لنا هنا أن نسأل عن نوعية ثقافة أو حضارة البدوية التي كانت مسؤولة عن العديد من الشعوب طوال عشرات القرون الماضية , وهل كان بامكان تلك البدوية بفتوحاتها وغنائم حروبها وجزيتها وعهدتها العمرية تثقيف العموم بشكل يمكن هذا العموم من رفض تفاهة الحكام او الانتفاض بوجه الحكام الممثلين لأولياء الأمر, اما قيل من اطاعني فقد اطاع الله ومن يعصن فقد عصى الله ومن يطيع الأمير فقد اطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني , جموع تربت على هذا النمط هي جموع الطاعة والانصياع للتفاهة
Post Views: 179