سوريا بين هاجس التقسيم والرغبة به ….
سمير صادق , روبا منصور :
ليس من السهل ادراك الحكمة من ممارسات تدعي حرصها على الحفاظ على سوريا موحدة بمساحة ١٨٥ الف كم٢ , بينما واقعيا تعمق هذه الممارسات نزعة التقسيم , وهل عواء أهل الساحل تحت الركل والضرب مكرس للابقاء سوريا بالمساحة المذكورة اعلاه موحدة واحدة ! ,وهل حلاقة شوارب وذقون شيوخ العقل من الدروز مكرس لنزعة الوحدة السورية! ,الأفظع كان التذبيح والحرق والاعدامات الميدانية والخطف والحصار والاغتصاب وممارسات حيوانية أخرى لم يعرفها قاموس البربرية حديثا , ثم هل من المنطقي ان يكون المدافع عن الوحدة السورية أول من قسمها وأقام ما تسمى ولاية او امارة ادلب ..!!!!!!!.
ولماذ يشعر البعض أن التقسيم كارثة , وبالتقسيم ستسقط الشمس على الأرض , او ستنشق الأرض لتبتلع سوريا وما عليها من حيوانات مفترسة , أو أن تقسيم سوريا سيعني نهاية العالم , وما هي الفائدة للدرزي ببقائه عبدا للسني او عبدا للعلوي او غيره , ونفس السؤال يطرحه العلوي ويطرحه الكردي وقبلهم طرحه الادلبي على نفسه , وبالنتيجة كانت اقامة دولة ادلب, التي احتلت سوريا بينما لم تتمكن دولة سوريا من احتلال ادلب واخضاعها لمفهوم الوحدة السورية المقدسة .
المسألة بمنتهى البساطة فكل الفئات التي ذكرت شعرت بأنها مستعمرة داخليا , أي أن شروط المواطنة مختلة خاصة شرط المساواة والعدالة الاجتماعية ثم الحرية الخ , لم توجد في القرن الأخير سلطة سورية مركزية الا وكانت باغية وفاسدة وظالمة باستثناء فترة ربع القرن الفرنسي , حيث كان هناك وضعا قانونيا ليس مثاليا, ولكنه كان افضل من كل انواع الحكم الذاتي التي مرت على سوريا وعلى الشعب السوري خلال القرن الأخير ,هذا الاعتراف خطير جدا وله دلالات كارثية بخصوص مقدرة شعب على حكم نفسه اي بخصوص استقلاله , باعتبار “الاستقلال ” نظريا وعمليا وقانونيا هو الشكل الطبيعي لحياة الشعوب , ولكن يبدوا أن السوريين لم يعودوا طبيعيين وعليهم ينطبق ما كتبه الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي حول مسألة ضرورة الاستعمار.
أغرب اشكال الحكم الذاتي كان الحكم الناصري ومندوبه السامي في سوريا او القطر الشمالي عبد الحميد السراج , جاء عبد الناصر راكبا بغلة الوحدة وغادرها على بغلة الانفصال بعد أقل من أربع سوات , لم تقض الناصرية على ماسميت الجمهورية العربية المتحدة فقط , انما قضت على فكرة الوحدة بشكل عام,لربما لم تقض الناصرية على الفكر الوحدوي عامدة متعمدة , ولربما كان هذا الفكر الوحدوي الافتراضي ميتا قبل ولادته , أي أنه لم يكن هناك “فكر” وحدوي حقيقي , انما هلوسات وحدوية هيمنت على عقل عبد الناصر السياسي الضامر أصلا وغيره من البعثيين النفعيين , لو لم تكن عقول الجموع معطوبة لما تمكن عبد الناصر من القيام بالدور الهدام الذي مارسه مرتديا قميص “الوحدة” الخلاصية , لقد سبقه عثمان في ارتداء الأقمصة , والنتيجة كانت الحرب والشرذمة ,من علامات القصور سماح الشعوب للتاريخ ان يعيد نفسه خاصة في نواحي واحداث سلبية , اجترار التاريخ السلبي دلالة على قصور الشعوب في مجال “التعلم” , المتطبعون عروبيا لايتعلمون لأنهم يعتبرون أنفسهم معلمين للبشرية كما ادعى قبل سنة تقريبا وزير اردني اخونجي سابق (محمد القضاة ) بأن العروبيين خلقوا لهداية الشعوب الأخرى , وليس لصناعة الطيرات والقطارات وغير ذلك , وكما يدعي بعض اللاجئين في الغرب , من أن الله فرض على الأوروبيين خدمة اللاجئين !!!.
لانعرف سببا وجيها لاعتبار الوحدة امرا خلاصيا , اي ان استقلالية ما يعتبر اجزاء يعني الموت , وتوحيد الأجزاء يعني الخلاص من الموت, لقد تم تقسيم العديد من الدول مثل السودان , الذي انفصل عن مصر في اول عهد الوحدوي العروبي عبد الناصر ر, ثم انفصل جنوبه عن شماله ولم يندثر او يموت , ثم أن علاقة الجنوب السوداني الآن مع الشمال جيدة , نفس الأمر يلاحظ بعد انفصال تيمور الشرقية عن اندونيسيا ولم تندثر اندونيسيا ولم تموت , انقسمت يوغوسلافيا لثلاثة دول ولم تندثر ولم تموت , وهل الغاء الوحدة السورية -المصرية قاد الى اندثار سوريا أو مصر وموتهما , قسمت المانيا الى شرقية وغربية ولم تكن هناك كارثة , قسمت تشيكوسلوفاكيا ولم تزلزل الارض , لابل هناك نهضة في كلا القسمين من تشيكوسلوفاكيا , وفي الدول الثلاثة التي ولدت بعملية قيصرية من رحم يوغوسلافيا هناك استقرار ونهضة , والعلاقة بين الأقسام لم تعد تتسم بالتذبيح المتبادل لابل اصبحت تلك الأقسام اعضاء في الاتحاد الأوروبي ,عموما لا يمكن القول بوجود وحدة خلاصية ولا يمكن القول بوجود حدود مقدسة .
الحدود ليست مقدسة , والواقع يبرهن في مختلف مناطق العالم انها قابلة للتغيير , لم تكن الحدود الجغرافية السورية نتيجة لهوية ثقافية او تاريخية مستقرة , ولاوجود لحدود ازلية , انما لحدود تتغير بفترات طويلة او قصيرة حسب مقتضيات المرحلة , التي تشمل خلق كيانات جديدة او حتى حذف كيانات لم تعد لها ضرورة , أو تحولت الى خطر على بعض الكيانات والدول الأخرى , خاصة الدول التي تملك المقدرة السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية على تغييرها , لم يتمكن تقديس الحدود السورية من تحصينها , فهاهي اسرائيل ترسم حدودها بالقوة العسكرية , وتركيا لم تفعل غير ذلك مع الحدود , ثم هناك بعض السوريين الذين يرحبون بتغيير الحدود لصالح تركيا, وهناك سوريين يريدون الغاء الحدود لصالح تركيا أو ماتراه تركيا ضروري لها لحماية أمنها .
من الصعب فهم مسألة قدسية الحدود ,عندما يشارك سوريون اردوغان في احتلاله لشريط حدودي سوري كبير نسبيا , لذلك يمكن اعتبار بعض الشعارات التي يطلقها البعض زائفة وملفقة , وهذا الأمر مبرهن عليه من تطور العديد من مناطق العالم , الذي عرف قابلية الحدود للتغيير بمعنى خلق كيانات جديدة او الغاء كيانات كانت قائمة !
Post Views: 437