ميرا البيطار , سمير صادق :
يتعرض كل طرح او موقف أو نقاش الى مداخلات لها صفة تتميز بتمحور البعض حول الدين وبرؤية كل أمور الحياة من منظور ديني , ثم تقييم الشاردة والواردة على أساس الشعور بالعداء للدين والحقد عليه , ومحاولة سلب المؤمن دينه وابعاده عن دينه , حتى الادعاء بعدم وجود ذكر للثقافة والمثقف في الأدبيات المحمدية أو عدم وجود ذكر للوطن والمواطنة في هذه الأدبيات يعتبر هجوما على الدين , مع العلم بأن هذه المفاهيم جديدة ولا يمكن لها أن تكون موجودة في التراث قبل ١٤٤٠ سنة , الهدف من التنويه الى عدم وجودها في الأدبيات الاسلامية كان البرهنة عن حداثة هذه المفاهيم وما يرتبط مع حداثة هذه المفاهيم من صعوبات في تعريفها, يشعر المهووس وكأنه متهم , مع العلم أن ما يقال عادة لايمت للاتهام بصلة .
تتكرر ردة فعل من هذا النوع يوميا بنفس النمطية ونفس الخلفية ونفس الهدف , نبرر ذلك احيانا بالحساسية المفرطة …أو غير ذلك من التفسيرات المبسطة , الا ألامر ليس بسيط وليس ساذج أو هامشي بالشكل الذي يراه البعض , انما تجسيدا لحالة مرضية تسمى ” الهوس الديني” , الذي يتصف بالعدديد من المظاهر , منها الارتكاس بشكل مفرط في الشعور بواجب الدفاع عن الدين , الذي يمثل غاية المهووس ومضمون حياته , وكأن الدين هدف ومصير , ثم بالتطرف الشديد في الاصرار على الانصياع لمبدأ عدم التعرض للمقدسات , التي يعلن عن عددها وأنواعها حسب الحاجة , او الخوف المفرط على حياة المصاب بالهوس الديني , وخاصة على مستقبله في الحياة الأخرى , ثم الالتباس في التمييز بين الحالة الطبيعية وبين حالات الهوس الديني الخفيفة , فالهوس هنا كامن , والمهووس يتمكن بالرغم من هوسه من التفاعل والتعامل مع الآخرين بنوع من “الطبيعية ” مما يحول دون اكتشافه من قبل الآخرين .
كانت اصابة الأسدية بالهوس الديني خفيفة, والدافع لاحتكار السلطة كان فئوي خضع الى منطق مايسمى “ذوي القربة” أولى بالمعروف , اما الآن ومنذ حوالي نصف سنة فقد انفجر الهوس الديني بشكل مروع ومدمر في ريائه وقبحه وسفالته, يذبح ذبيحة الهوس الديني من الهيئة ومرتزقتها العشرات من الكفرة الدروز ويمثلون بأجسادهم , وبعد انتهائهم من الفعلة “الهوسية” يبسطوا سجاد الصلاة على قاعة الطريق لاقامة الصلاة وممارسة التعبد , وكأن التذبيح والصلاة أصبحوا شيئا واحدا أو توأم , بنظرهم فعلا شيئا واحدا, لانهم اتباع شريعة اقتلوا المشركين اينما وجدتوهم , لذلك ذبحوا كل كافر وقف بوجههم , وحلقوا شوارب المشايخ , ثم انتقلوا مباشرة الى عبادة الله , كل ماشهدناه في احدى الصور المنتشرة الآن بكثرة لايمثل سوى هوسا دينيا بأبشع أشكاله , لم تكن الاسدية مريضة بهذا الشكل , الاسدية المنحطة كانت أرقى بدرجات مما رأيناه في مجازر الساحل وفي مجازر الجنوب السوري حاليا, ما سمي من قبل المهووسين تحريرا للبلاد من الطغاة , لم يكن تحريرا انما استبدال السيئ بالأسوء .
ينتشر الآن مايسمى التدين العشوائي , الممثل للهوس الديني بأبشع صوره , ويصعب احيانا التمييز بين هذا التدين المخاتل وبين التدين الحقيقي , يعني التدين العشوائي التمسك بالقشر دون اللب , وبالمظهر دون الجوهر , وبالطقوس بدون ناموس , التدين العشوائي هو نتيجية لانتشار الخطاب الديني العشوائي , كل على “كيفه” يفتي ويشرع ويسمح ويمنع ويقتل ويذبح ويصلي على سجادته المرتشحة بالقمل والقذارة والحقارة , دون ان يدرك رياء ممارساته , من غير المتوقع ان يدرك ذلك لأنه مصلب بمرض ” الهوس ” , الذي اعماه وأفقده البصيرة اي العقل!,
يتصف الهوس بكونه ادراك باحدى الحواس , دون وجود مسبب واضح لهذا الادراك , كادراك وجود ازدراء الأديان , دون ازدراء , أو الشعور بالحقد دون فعله , أو الكره دون ممارسته , أكثر الخواص النفسية تشجيعا لتكوين هذه المشاعر هي ضالة “العظمة” , لأن ضالة “العظمة” لاتسمح للقزم تقبل القول بأنه صغير, الشعور بالعظمة هم الدافع الى تصنيف أي نقد أو حتى تنويه لأي ضعف على أنه باطل , وبالتالي مصدره تشوه في شخصية الناقد , لذلك فالناقد كاره حاقد , والعظيم عظيم أو مقدس وبالتالي لايخضع للنقد وعظمته لاتسمح بالشك .
الرسالة “عظيمة” والدين “عظيم ” , للعديد من الاسباب, منها تصور الله كمسلم , لاهو مسيحي ولا يهودي ولا قرباطي الخ , العظمة لاتتقبل النقد , انها فوق النقد وأعظم من أن تنقد , لذلك تشعر العظمة بالاضطهاد بمجرد القول ما أحلى الكحل بعينها , العظمة كاملة الأوصاف وترجمة للكمال , لذلك فان من يتعرض لها متآمر عليها عادة مع المخابرات الصهيونية وعميل للشر الأكبر أمريكا , لايعقل أن يكون كلام الناقد صحيحا , انه افتراء ودجل وكذب حتى قبل التعرف عليه , العظمة هي شعور معظمه تصوري , يتصورون مثلا بأن الصفحات ٦٠٠ من كتاب مجهول النسب اي من غير المعروف من كتبه , تتضمن تلك الصفحات كل شيئ عن الحياة الدنيا والأخرى, كامل متكامل !… فلسقة اجتماعية ومعارف علمية صالحة لكل زمان زمكان , والانسانية ليست بحاجة لأكثر من تلك الصفحات التافهة المليئة بالتناقضلت والترويج للقيم البالية وخزعبلات زغلول النجار .
يتميز الهوس الديني بممارسة العدائية للآخر بدون سبب يذكر , تتطور العدائية عادة الى عنف وارهاب في اطار مايسمى الفعل الجماعي , المسؤول الأول عن العدائية المتطورة الى ارهاب , فالارهاب هو فعل جماعي أصلا , في العدائية الارهابية تقسم المسؤولية بين المنفذ الارهابي , وبين خلفيته الفكرية , التي تعتبر الفاعلة الحقيقية , والتي تتحمل معظم المسؤولية الارهابية ,يتم كل ذلك في اطار تدجين وتنشأة مايسمى “المسلم الأعلى “, , والمثال على ذلك قاتل فرج فودة وقاتل ناهض الحتر وغيرهم , لايعود الاضطراب في هذه الحالة الى الشخص , الذي تحول الى مسلما أعلى , وانما الى الخلفية الفكرية , وهذه الخلفية تعود الى النص , وما يفرضه هذا النص وكيف يتمكن النص من تبرئة نفسه عن طريق الأوجه المتعددة (حمال أوجه ) , نص للقسوة ونص للشفقة , ولكل مايريد من الأوجه .
للعدائية الهوسية علاقة مع مفهوم خير أمة , لايتقبل الكافر اصرار المسلم على انه خيرا منه , ولا يتقبل المؤمن المحمدي النزول الى مستوى الآخر , من هنا فان العداء مبرمج وحتمي , كل محاولة من قبل الآخر بقصد الغاء هذا الاستعلاء تفسر بانها اعتداء , لذلك يعتبر الآخر تلقائيا عدو , انه عدو بطبيعتة الغير محمدية , فغير المحمدي كافر وعلى المسلم قتاله وقتله عند التمكن من ذلك , القتل الجهادي ركن من اركان الدين .
هناك العديد من التفسيرات والتحليلات لتلك التصرفات , يتصدر “الهوس ” الديني كل تلك التفسيرات , يعني الهوس الديني التمركز المطلق حول الدين , ثم تقبل استلاب الدين لشخصية المهووس وتعطيل الدين لعقله , ثم الالتباس بخصوص مقام ومهمة الدين , هل الدين غاية أو وسيلة ! , وهل يحيى الانسان بالدين أو أن الدين يحيى بالانسان ؟, هناك الكثير من الأسئلة , التي تتطلب الاجابة عليها , لذا ستكون هناك تتمة لهذا الموضوع .
