جدلية الوطن والانتماء السوري ….
ممدوح بيطار , ربا منصور :
هل من البديهي والمنطقي أن نطلق على سورية صفة العربية ؟ من هم العرب؟ وهل شعب سوريا هم من العرب فقط ؟ لماذا ننسب سوريا لقوم سكنها كغيره ,ولماذا ننسبها لحقبة تاريخية دون غيرها؟
بدأ بعض عرب الجزيرة بالاستيطان في سوريا حتى في الفترة التي سبقت ظهور الدعوة الاسلامية,حيث نزحت بعض القبائل العربية من شبه الجزيرة العربية باتجاه سوريا (بلاد الشام والعراق) هربا من شظف العيش وبحثا عن المرعى والكلأ , امتهنت هذه القبائل الرعي , وعاشت حياة البداوة ,منها قبائل تغلب وغسان وبكر والمناذرة اللخميين وغيرهم, كانت سوريا في تلك الفترة تحت الاحتلال الروماني والعراق خضع للنفوذ الفارسي, , كانت اليونانية لغة الدولة في بلاد الشام كما كانت الفارسية لغة العراق,بعد أن كانت الآرامية لغة العالم ,كان هناك تمازج حضاري بين الآراميين واليونانيين والرومان والفرس والعرب على الأرض السورية.
ثم كانت الفتوحات الاسلامية لبلاد الشام والعراق ,خضعت المنطقة بكاملها لحكم الخلافة الاسلامية الناشئة في تلك الفترة, كان عرب الجزيرة في تلك الفترة أقلية في سوريا لم تتجاوز عند بداية الحكم الأموي 6 ٪ من مجموع تعداد سكان سوريا الطبيعية ,بدأت عملية تعريب الدولة ودواوينها وأصبحت اللغة العربية لغة الناس , كما أصبح الاسلام بعد التأسلم دين البلاد , إستمر هذا الوضع حتى بداية مرحلة ضعف الدولة العباسية ,التي تميزت بدخول عناصر إثنية من الفرس والأتراك في جسد المجتمع ,أثرت حضاريا وتأثرت بغيرها, وعلى مر العصور تنكهت كل هذه الأقوام قليلا بنكهة سورية, وتنكه السوريون بنكهة بدوية عربية -عثملنية .
إستمر التفاعل بين جميع الشعوب التي سكنت سوريا من عرب وأكراد وأرمن وسريان وآشوريين وتركمان وشركس , وما جمعهم بالرغم من إختلافهم العرقي والحضاري كانت تلك الأرض السورية, لم تتطور البلاد في القرون الأربع عشر الأخيرة , بعكس فترات ما قبل الفتوحات العربية -الاسلامية البدوية , من ينظر الى سوريا الغنية بآثارها لايجد اي بصمة عربية -اسلامية …تصحرت البلاد بشكل مطلق .
في العصر الحديث ومع إنتشار الوعي القومي في منطقتنا إنتشرت فكرة القومية العربية ,التي كانت فكرة طوباوية هدفها كان في البداية توحيد الهلال الخصيب والحجاز في دولة واحدة بعد طرد الاحتلال العثماني, لكن لم يكتب لهذا الحلم النجاح للعديد من الأسباب , والأسباب عادت بمعظمها الى خواء الفكر القومي العربي-الاسلامي , الذي دمر الدول التي قامت بعد الحرب العالمية الأولى ,والتي كان لها العديد من مقومات النجاح .
من هذا السرد التاريخي الموجز نرى أن العرب كانوا فئة كغيرهم ,سكنوا سوريا في فترة ما وتفاعلوا مع غيرهم من الشعوب على أرضها , أبناء شعب سوريا اليوم لا ينتمون لعرق واحد بعينه إنما لخليط من الأعراق والشعوب, والقوميات , لكن الصفة الدائمة الأساسية لهم كانت الصفة السورية, سواء كانوا أصلا عرب أو أكراد أوسريان أو آشوريين أو أرمن أو تركمان أو شركس أوغيرهم ,نظريا كانت ارادة العيش المشترك هي العامل الذي كان عليه أن يجمع انسانيا , بدلا من ذلك حاولت فئات ممارسة الهيمنة على الآخرين بطرق مختلفة , منها التعريب والتمييز الديني , الذي تظاهر بأشكال مختلفة , منها قوانين الأحوال الشخصية ومفهوم دين الدولة وغير ذلك .
كان في سوريا الكثير من السكان والقليل من المواطنين السوريين ,لقد تحولت سوريا بفعل الاغتراب العروبي والاسلامي ورفض الانتماء الحقيقي لها الى موطن أو مسكن لهم , وبالتالي تنكصت تمظهرات الوطنية السورية الى تكاذب وادعاء , فلا وطنية دون انتماء , لغرباء الانتماء عن سوريا انتمائهم الأولي والأهم بالنسبة لهم , العروبيون ينتممون الى الدولة العربية الافتراضية , والاسلاميون ينتمون الى الدولة الاسلامية الافتراضية ,والانتماء لسوريا تحول عمليا الى ثانوي , والآن في طريقه ليصبح اولي , خاصة بعد الفشل الذريع للفكر القومي العربي -الاسلامي في رعاية الدول , التي قامت بعد الحرب العالمية الأولى .
تفوح من هؤلاء العروبيين -الاسلاميين رائحة الزنى الوطني والفصام وحتى الخيانة ,لهم مايريدون من انتماء وليكن للشيطان , وليس لأحد أن يحاسبهم , الا أن المفارقة تكمن في اعتبارهم للمساكنة في سوريا مواطنة سورية من الدرجة الأولى , بتعبير آخر مواطنة من الدرجة الأولى مقرونة مع انتماء من الدرجة الثانية وما فوق للآخرين ,تكمن خيانتهم في التمويه على الزنى الوطني والطابورية الخامسة بضجيج حب الوطن الكاذب , المواطن الصادق لايتلف ويهدم وطنه , ولا يصر على قيادة هذا الوطن بعد ثبات عدم مقدرته على القيادة , لايخجلون من الدمار الذي سببوه , ومن افشال الدولة , التي كان عليهم انجاحها …
Post Views: 504