ممدوح بيطار,عثمان لي :
لايمكن ان يعطينا الله عقولا وشرائع مخالفة لها (ابن رشد)
لم تعد الحداثة والتمنهج بها خيارا من عدة خيارات , انها الخيار الوحيد , الذي لابديل له بالنسبة لمن يريد الحياة ويحترمها , الحداثة اجتماعية -سياسية وقيمية , الحداثة تعني المساواة بين الجنسين , وتعني المساواة بين مايسمى مؤمن وبين ما يسمى كافر , تعني المدنية والمواطنة المتساوية , كانتخابات نزيهة, ثم تداول سلمي للسلطة وللمواطنة ,ثم احترام حقوق الانسان والقوانين الدولية المنظمة لها, والالتزام بالأحكام التي تحترم حقوق المرأة والطفل والانسان بشكل عام .
بالمقابل تتطلب الحداثة القطيعة الكاملة الطوعية او القسرية مع قيم ومسلكيات في معظمها ماضوية ولم تعد منسجمة مع قيم ومسلكيات العصر او المستقبل , من ضمن ما تتطلبه الحداثة الانتقال من التسلط الديكتاتوري الفردي الى الديموقراطية , والانتقال من الفساد الى دولة القانون ,ثم فهم الاختلاف الطبيعي بين الرجل والمرأة بأنه لايمثل اعلاء او تخفيضا لقيمة أي منهما مقارنة بالآخر , الانتقال من أحكام النقل الى أحكام العقل , ومن الولاء والبراء المخرب لمفهوم الوطن الى مفهوم دولة ووطن وشعب وحدود , الانتقال من مفهوم الفرقة الناجية والفرق الهالكة , وما يسببه ذلك من خلافات وتشنجات تصل الى حد الحروب , ادراك الاختلاف على أنه جزء من طبيعة الانسان , ثم ادراك الاختلاف كضرورة لابد منه من أجل الأبداع ورقي الحياة , الاختلاف لايعني الخلاف , الا اذا ابتلي الادراك والفهم بالقطعية والمقدس , الانتقال من الطاعة والانصياع الى الثورية والتمرد,الانتقال من الايمان المطلق واليقين الأعمى الى الشك والتساؤل الديكارتي -الرشدي, الانتقال من المطلق الى النسبية , ومن المقدس السماوي الى المقدس الانساني !.
هناك من يعمل باتجاه متوافق مع الحداثة , وهناك من يعمل باتجاه متعارض معها , فالتعليم الديني في كل الدول العربية باستثناء تونس متعارض مع الحداثة وقيمها , لأنه مؤسس على التعبدية الايمانية المطلقة للنص والحديث الديني ,وبعيد عن العقلانية ,ولا يقبل سوى ما توافق مع النص الديني وأحكامه المتضاربة مع العقل والعلم والمصلحة وروح العصر , قال ابن رشد , لايمكن لله ان يعطينا عقولا ويفرض عليها شرائع وأحكام مخالفة لما تريده هذه العقول, ليس فقط ابن رشد , انما المعتزلة ايضا , التي رفضت ان يكون الانسان قدري غير مسؤول عن حاله ووضعه , انما خالق لأفعاله ومسؤولا عنها , وليس خاضعا لما هو خارج الانسان وخارج ارادته , أي للقدر والمصير الذي يحدد للانسان من خارجه !!
يعتمد التعليم الظلامي الديني على تلقين النص والحديث , وعلى تحريم التفكير بالمادة الملقنة عن طريق التحفيظ , الذي لايقر ولا يسمح بأي دور للعقل أو للشك , وبذلك يقع الانسان في مطب القسرية والأسر الديني النصي , الذي يعتمد الترهيب والترغيب مبدأ!, لاعقل في المحفوظات , التي تمثل نصوصا نزواتية غرائزية غبية جامدة , لاتسمح سوى لتأهيل الانسان لممارسة الارهاب , الذي تحول دينيا الى فضيلة الجهاد والى الطرق الأمثل لدخول الجنة والتمتع بالحوريات والغلمان وأنهار الخمر والعسل , كل ذلك مثل صناعة للبؤس الانساني العقلي والمادي والنفسي ولاعاقة تطور الانسان الى الافضل , أي الى مايريد , ولا يريد الانسان سوى الأفضل له .
يخلق الحفظ النصي حاجزا نفسيا بين الوعي الديني وبين الحداثة والأنسنة , ويحول الانسان بالتالي الى فصامي, يتأرجح بين مكة والمدينة وبين الناسخ والمنسوخ , وبين الفكرة ونقيضها , وبين الآية وضدها بين الفضيلة والرزيلة , بين تمجيد المرأة لفظيا واحتقارها ممارسة وعمليا , يعود الفصام الى ترسيخ الضديات في نفس العقل ونفس الانسان ونفس مبادئه ,مثل تكريم أهل الكتاب تارة الى جانب اعتبارهم كفرة يجب القضاء عليهم تارة أخرى , الى الدعوة للتسامح الى جانب تمجيد الثأرية , تعود فصامية المخلوق البشري في هذه الحالة , الى فصامية المواد والقيم التي يخزنها الانسان في دماغه, ليست آيات كتاب ابن عبد الله حمالة أوجه فقط أي فصامية ,انما من يتلقن تلك الآيات أيضا , يولد الفصام من رحم القناعات المتناقضة التي لاتنسجم مع بعضها البعض والضدية لبعضها البعض كأسماء الله ال ٩٩ , والبعض يرى أكثر من ٩٩ اسما له , انه الرحيم لكنه المنتقم , انه الظاهر لكنه الباطن الخفي , انه المتكبر وفي نفس الوقت المتواضع , انه النصير الذي يخذل عباده , انه المجيب لكنه لايستجيب, انه الخير الذي يفقر , انه الواحد ولكن لكل دين خالق مختلف , انه القادر الذي لايقتدر , لاحاجة لذكر بقية الأسماء التي تمثل في عددها وتناقضاتها مهزلة المهازل !
