الوحدة في التعددية!

سمير  صادق,   ممدوج   بيطار   :

في البداية بعد ولادة الدولة السورية في عشرينات القرن الماضي تعززت العلاقات بين مكونات الشعب السوري على صعيد الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية لفترة قصيرة  ,  ثم  تغيرت   بفعل   عدة  عوامل  ومؤثرات  على  الرابط  الوطني   السوري , تأزمت  العلاقات بين   الاتجاهات   السورية   المختلفة,التي   ولدت   قبل   اعلان  قيام   الدولة   السورية   او  بعد  اعلان  قيامها  بفترة   قصيرة   مثل   حركة  الاخوان  المسلمين   ,  ثم    الفكر   القومي   العربي  , التزمت    الأصولية   الدينية   اثناء    الحرب   العالمية   الأولى   بمفهوم   ” الاستكانة”   للتواجد    العثماني ,  الذي   لم   يعتبروه   استعمارا   انما   امتدادا     للخلافة   القريشية, ولا   يزال    بعضهم   على   هذا   الموقف   لحد   الآن , في   البداية  رجحت   كفة    القوميين   العرب ,  الذين  كانوا   بمعظمهم   مفكرين   لبنانيين ,  على   الاسلاميين,لقد  ظن   العروبيون      بأن   الفكر   القومي   سيحميهم   من   الغول   الديني    ,  الا  أن   الفكر   الديني   الأصولي  قوي   بعد  ولادة  تنظيم  الاخونج     عام ١٩٢٨, وبعد  ولادة   الأخوان  بدأ انتهاج سياسات التمييز والاضطهاد والتنكر لحقوق  بعض   الفئات  , مما   قاد  الى   احباط  متزايد  لمفهوم     الوحدة   في   التعددية ,   الذي تحول     الى   مفهوم   لاوحدوة  مع    التعددية    , لاتزال منهجية   لاوحدة   في   التعددية  قائمة    حتى هذه   اللحظة  ,  ومن   نتائجها  كان التشظي والتجزأة والانقسامات  ومحاولة   تصفية   بعض  الفئات   كما   حدث   مؤخرا   في   الساحل   السوري , وقبل   ذلك   في  مصر مع  الأقباط   وفي   اعتصامات   رابعة   العدوية   والتضامن   وميدان   مصطفى   محمود  ثم     غزوة الثأر  من   قبل   انصار   بيت   المقدس   في   سيناء    ,  كل   ذلك   قاد  الى    مقتل   عددا كبيرا    من   المصريين   والى   اعمال   الشغب وحرق       الكنائس ,    ففي    لبنان انتزعت   الدولة   على  يد    حزب   الله  وتأسست  دولة   ضمن  دولة , وفي   العراق   نفس   الأمر    مع   مجازر     الايزيديين    وهجرة   المسيحيين  ,  مما   قاد   الى  تغيرات  ديمغرافية    تجلت  بتناقص   المسيحيين   في   كل   من   العراق   وسوريا  الى حد الانثار   الكامل,  ثم   الى   التغيرات   الجغرافية   مثل الانقسامات  ,   ثم       الحروب   والعنف  والمجازر    مثلا   بحق   الايزيديين   على   يد   تيار  داعش  في   العراق  وسوريا ,     ثم   الخلافات  والمشاحنات   المستمرة  ,التي   قضت   على  دول    مثل   سوريا , اي   الى  أزمة   عميقة   بين  الفئات   المختلفة كما هو   الحال الآن   في   سوريا  والعراق    ولبنان  وليبيا    وغيرهم .

  ففي   سوريا بدأت حالة  التنكص  مع صدور دستور  عام ١٩٥٠, الذي أكد على عروبة سوريا وشعبها , وبالتالي انعكس ذلك على كل سياسات الدولة وتوجهاتها ,سياسات   اتصفت بالغربة عن الواقع السوري والروح السورية لصالح واقع افتراضي عربي , تاهت سوريا في اللخبطة العربية ولم يعد من الممكن فك الارتباط بين سوريا وواقع التوهم العربي  , في عام 1958  قامت الجمعورية   العربية   المتحدة   الاعتباطية  ,  التي   عمرت حتى عام 1961, والتي منعت أي  مظهر لوجود التعددية والتباين الثقافي , الذي تجلى على سبيل المثال بمنع   التحدث باللغة الكردية ثم محاربة الاتجاه القومي السوري الذي بدأبعد   نهاية  الحرب  العالمية  الأولى,  والذي كانت  من  تطوراته  الحكم يوم ٨-٧-١٩٤٩ على أنطون سعادة بالموت رميا بالرصاص وتنفيذ الحكم قبل شروق شمس ذلك اليوم.

مارست حكومة الانفصال من عام ١٩٦١ استمرارية الاعتداء على فئات من الشعب السوري وانتزعت  من  عشرات الآلاف من الأكراد جنسيتهم وبالتالي حرمانهم من حقوقهم   المدنية  , البعث الذي أتى عام ١٩٦٣ استمر في ممارسة العنصرية فقام بتنفيذ مشروع الحزام العربي  وحول   الجزام   العربي   اقيم   الجزام   العلوي , الذي استمر  بانتزاع الأراضي من الأكراد واعطائها للعرب في ريف حلب والرقة وذلك على طول شريط حدودي من ٣٥٠كم وعمق ٢٠ كم , دستور ١٩٧٣ اختزل البلاد بالعروبة, والعروبة بالبعث, والبعث بالعائلة,والعائلة ببيت الأسد , انتقال السلطة الى الوريث   الأسدي عام ٢٠٠٠  لم يغير الوضع الا  للأسوء , عام ٢٠٠٤ كانت هناك مجزرة في ملعب كرة  القدم  في القامشلي , وفي عام ٢٠٠٨ صدر مرسوم تشريعي بخصوص تملك الأراضي على   الشريط الحدودي  مرة   أخرى  , ثم جاءت  حركة  ٢٠١١, التي كانت ثورة  لم   تعمر طويلا  , اذ   تحولت   بسرعة   الى   حرب   أهلية   على   اساس   طائفي  لايزال   مستمرا بارتكاب    المجازر   على   اساس  طائفي الى   هذه   اللحظة.

 لم   تتمكن    المعارضة  التي نشطت  بعد  عام ٢٠١١   من  أن تعلن عن تصور حضاري منصف بخصوص الأكراد , والفصائل   الاخونجية   التي   نشطت  بعد عام ٢٠١٢    حربيا لم تكن ثورة ولا علاقة لها بمفهوم الثورىة, وما  عرفنا  عنها لايميزها عن النظام الأسدي,  لابل    أسوء  من   النظام   الأسدي   بدرجات ,كانت  هذه الفصائل ولا تزال  أسيرة عقليّة الإنكار والإلغاء وعدم الاعتراف بالتعدّد والتّنوع والخصوصيّة , اضافة الى كونها ممثلا دمويا للطائفية في خطابها وتفاعلاتها مع الغير.

   تمثل التعددية ويمثل التنوع حقيقة التربة الخصبة والطبيعية للابداع والتطور والاثراء الانساني , ثم أن التعددية والتنوع هم من طبيعة البشر والبشرية منذ أن وجدت, وحتى ضمن  الطائفة  الواحدة  هناك تعددية وضمن الحزب وضمن العائلة ,القضاء على التعددية غير ممكن عمليا ولكنه  ممكن تلفيقا حيث يدعي الناس   قسرا بأنهم يتبنون أفكار القائد الملهم أو     التوحيدية  لمذهب معين تحت تأثير ارهاب السوط والساطور .

    الانتماء الوطني هو الجامع بين عموم ابناء وفئات الشعب ومن طبيعة الشعب أن يكون متنوع , ومن طبيعة الانسان أن يسعى الى البقاء وكل محاولة لتحويل البشر الى نوع من   المعلبات المتشابهة هو اعتداء على الطبيعة البشرية, كل فئة أو حزب أو منظومة أو غير ذلك تريد اعتماد فكرها وأحكامها منهجا للآخرين قسرا هي فئة تريد تدمير الآخرين  وتدمر   نفسها   ايضا  ,   الديكتاتوريات السياسية والدينية والفئات التي تعتبر نفسها وأفكارها مقدسة ولا ترضى عنها بديلا هي فئات قاتلة للحياة,  وهل لايزال   العرب    على   قيد   الحياة ؟؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *