سمير صادق ,ممدوح بيطار :
هناك الكثير مما يميز هذه الشعوب عن غيرها , وموضوع “الثوابت ” هو أحد هذه الميزات, التي لاتجد تداولا الا في الخطابات السياسية والدينية والاجتماعية الشرقية العربية , فبالرغم من أن قدم خلفية مفهوم الثوابت كقدم الدين , الا أن استخدام هذه المفردة حديث حداثة الاخوان وحسن البنا , لاوجود لهذه المفردة في التداول السياسي أو الفكري الغربي الا في مجال العلوم نسبيا , وانتشار ظاهرة مفهوم الثوابت يوحي بأنه لهذا المفهوم عمقا كبيرا في حضارة الناس “يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء”.
لقد اعتبر حسن البنا وتلاميذه الثوابت والمتغيرات منهجا للاخوان, فالمتغيرات هي الأمور التي يمكن لها أن تتبدل حسب الظروف مع الحفاظ على الثوابت , التي لاتتغير أو تتبدل أو تتطور , انها صالحة لكل زمان ومكان , الثوابت والمتغيرات هي الضابط لسلوك الناس وتصرفاتهم .
تواجه الدعوة الاخوانية صعوبات في مصالحة الثوابت مع ظروف الحياة, فظروف الحياة متطورة ومتغيرة واقعيا , لذلك ترفض الثوابت الواقع, وترفض التغير الاجتماعي والسياسي الذي هو أساس وجود البشرية , لذا ولكي تتم المصالحة بين الواقع والثوابت يجب تغيير الواقع لكي ينسجم مع الثوابت , وهذا ماعبر عنه هذيانيا سيد قطب بقوله ان المجتمعات الاسلامية عادت الى الجاهلية ويجب أسلمتها من جديد , فالثوابت هي نظام لمعارضة الواقع , نظام لفرض واقعا دينيا منسجما مع الثوابت على هذا الواقع ,وكلما تغير الواقع على ثوابت الدين اعادته الى حظيرتها , بكلمة أخرى لامناص من جملدة الواقع بالثوابت ,وبكلمة أخرى بدأت البشرية بثوابت الدين وعليها البقاء متحجرة في هذه الثوابت الى ماشاء الله !.
استعراض عابر لما حدث في اوروبا في القرون الخمسة الأخيرة يظهر المسيرة الأوروبية المتعاكسة مع منظومة الثوابت, فقبل خمسة قرون بدأت أوروبا بالخروج من الدين دون المساس بوجود الدين , ثم أتت الثورة الفرنسية لتفصل الدين عن الدولة وتلغي الامتيازات الكنسية وتؤكد الاعلان عن حقوق الانسان في الضمير والمساواة , ثم الغاء تهمة الكفر وازدراء الأديان , فازدراء الأديان لم يعد تهمة , كما هو حالنا اليوم حيث يعتبر أي نقد لممارسة أو فكرة دينية بمثابة ازدراء للدين .
في الثورة الفرنسية وما تلاها من تطورات وجدت العلمانية تطبيقاتها , التي كانت أساسا للنهضة الأوروبية , والعلمانية كانت الأساس الذي بني عليه الغاء الخلافة وما تلى ذلك من تطورات في الاتجاه العلماني التركي, وبالرغم من أساسية هذه التطورات لم يتمكن الاسلاميون من ادراك وفهم كل ذلك ثم ضرورة كل ذلك , عوضا عن ركوب حافلة التطور امتلكهم الشعور الوسواسي بأن منزلة الدين في خطر محدق والكارثة ستحدث ان لم يحصنوا الدين ضد التلوث , والتحصين يتم بالتشدد في التمسك بالثوابت التي تضمن عدم تلوث الدين بالشوائب اليهودية الغاشمة والماسونية الملحدة والصليبية الحاقدة والعلمانية المارقة,هجمة شرثة يجب مقاومتها بالمزيد من الصلاة والتعبد وطرح مشروع الشريعة الصالحة لكل زمان ومكان “القرآن هداية عامّة للبشر ورحمة للعالمين, وأنّه جامع لأصول العمران وسنن الاجتماع,وموافق لمصلحة النّاس في كلّ زمان ومكان بانطباق عقائده على العقل, وآدابه على الفطرة, وأحكامه على درء المفاسد وحفظ المصالح”(رشيد رضا), وفي رسالة التعاليم قيل “الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعا, فهو دولة ووطن, أو حكومة وأمّة, وهو خلق وقوّة, أو رحمة وعدالة, وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء, وهو مادة أو كسب وغنى, وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة,كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء ” هذا كان الجواب على التنوير وهذا كان سبب التعتير !.
فالتنوير حسب كانت هو خروج الإنسان من حالة القصور, الّتي هو نفسه مسؤول عنها,قصور أي عجز عن استخدام [ملكة] الفهم أي القدرة على التّفكير, دون وصاية الآخرين, قصور هو نفسه مسؤول عنه بما أنّ سببه لا يعود إلى عيب في ملكة الفهم, بل إلى نقص في اتّخاذ القرار وفي الشّجاعة الّتي تجعله يستعملها دون وصاية الآخرين.
تجرأ على التّفكير ولتكن لك الشجاعة في استخدام ملكة فهمك الخاصة بك ,هذا هو التنوير حسب كانت ,اما حسب فقهاء هذه المنطقة يجب ان يولد الاعجاز العلمي من رحم القرآن , أي من رحم القصور في العلم ولد الاعجاز ,لقد استسلم الواقع للثوابت تلفيقا , وبالتالي استسلمت الحداثة للتأخرية ووصل الحال الى ماوصل اليه , الشعاركانمثل انكار الواقع والتنكر له , ثم التدجيل بتحويل الهزائم الى نكسات أو حتى انتصارات ,والفقر الى زهد, والمرض الى قضاء وقدر, والتأخر الى مؤامرة والفشل الى نجاح!.
