جورج بنا ,ممدوح بيطار :
طواال قرن من الزمن , لم تتوقف مشاريع الوحدة العربية لحظة , مشاريع فشلت في النهاية , باستثناء مجلس التعاون الخليجي , المؤسس على قواعد اقتصادية , فشل التجارب الوحدوية طرح العديد من الأسئلة حول العديد من النقاط , أولها السؤال عن وجود الارادة السياسية الحقيقية , التي عليها مراعاة أمر الاقتصاد أولا , هل هناك ارادة سعودية أو خليجية للوحدة مع صوماليا ؟ أو حتى مع سوريا ؟, اضافة الى النقص في الارادة , هل يعقل قيام وحدة بين دولتين لارضاء المشاعر الجياشة , أو انطلاقا من وحدة الدم العربي , وهل هناك دم عربي موحد ؟؟ أوحتى اللغة الواحدة أو وحدة الأهداف , وغير ذلك من المستحاثات الفكرية , هل النوايا الطيبة كافية ؟؟؟ واذا كان تحقيق الوحدة من أهم مايهم العرب , فهل يجوز وضع مهمة من هذا النوع بيد ساسة لايملكون المقدرة السياسية لتحقيق ذلك !, لقد وصل أمر الهزالة والسخرية الى حد اعطاء المهرج القذافي مهمة تحقيق وحدة مع اليمن , وحتى صدام لم يبخل على العرب في تقديم خدماته.
ماذا عن تباين أنظمة الحكم العربية , وعن شخصنة السياسة , ووجود أشباه الدول , وكيف يمكن تحقيق وحدة باتجاه الخارج مع أن الداخل ممزق ؟؟ هل أدرك القيمون على اقامة الوحدة عواقب فشلها , وكيف سينعكس ذلك على الوحدة الداخلية ؟؟ , على كل حال لقد فشلت الوحدة الاعتباطية الاندماجية , وكان من المتوقع أن تفشل , والآن أصاب داء التفتت الدواخل العربية , اينما نظر الانسان في هذه المنطقة يرى داء التفكك الوبائي ..من سوريا الى لبنان الى العراق اى السودان الى ليبيا والى مصر ثم دول المغرب والسؤال بما يخص سوريا , لم تتمكن سوريا من الخفاظ على الدولة التي اسسها سايكس- بيكو , لقد اتهم سايكس بيكو بممارسة التفتيت , وتبين أن شعوب وحكومات تلك الدول لم تكن قادرة على الحفاظ على الوحدة داخل دول سايكس – بيكو, لذا يمكن القول أن سايكس -بيكو وحد أكثر مما فتت , بينما الشعوب والحكومات فقد فتتت اكثر مما وحدت.
تلعب المقدرة السياسية دورا هاما في نجاح مشاريع من نوع الوحدة العربية , غياب المقدرة السياسية كان دائما مقرونا مع تعارض المصالح والأهداف والرؤية والتوجهات والاستراتيجيات , خاصة في المجال الاقتصادي , فالتجربة الأوروبية أكدت على أن الاقتصاد والمصالح الاقتصادية المشتركة كانت الأساس للاتحاد ونجاحه المتزايد وتطوره نحو الاندماج بعد مرحلة التكامل, لقد كانت مشروعات الوحدة العربية عاطفية في معظمها ولخدمة توجهات مرحلية شخصية , تنتفي ضرورة الوحدة بانتفاء الأهداف الصلبة الرئيسية والعامة , لذلك كان على الوحدة السورية-المصرية أن تفشل , لأن أهداف المروجين لها (ضباط البعث) كانت مرحلية ومتمحورة حول شخوصهم ومراكزهم ومستقبلهم , لم يكن لاصرارهم على الوحدة دافعا متعلقا مع مصالح الشعب , بالرغم من ذلك صفق ورقص الشعب السوري للوحدة , ثم صفق للانفصال , بعد فترة قياسية في قصرها , لم يظهر هذا الشعب أي حرص على الوحدة , السبب هو أنه لم يكن من المستفيدين منها .
مشروع الوحدة ليس مشروع اتحاد بقاليتين , لأن أصحاب البقاليتين متعاطفون مع بعضهم , فالدولة أكبر من بقالية , قرارات وخطوات الساسة الذين اشرفوا على البدء بعشرات مشاريع الوحدات العربية في القرن الماضي , كانت تحت هيمنة العواطف , بالعواطف اتحدوا , وبالعواطف انفصلوا , ولا علاقة لكل ماحدث من نشاطات هزلية تهريجية (القذافي) بالتفكير العقلاني المنطقي .
بالعواطف يقرروا ويتوجهوا , وبالعواطف قرروا الانفصال , بالعاطفة كانوا أشقاء , وبالعاطفة كرهوا وحاربوا بعضهم البعض ,كانت العواطف متطرفة في جميع الحالات , ولو افترضنا حسن النوايا , فهل تكفي النوايا الحسنة , مع العلم بأن النية الحسنة لاتستطيع السيطرة على العديد من العراقيل والمشاكل التي تقف في طريق الوحدة , هنا وجد العرب علاجا للعراقيل والمشاكل ,هناك التأجيل أو بالأحرى تجاهل موت الفكر الوحدوي , هناك ايضا التعامي والتكاذب , لم تعد الوحدة مشكلة , لأنه لم يعد هناك من يريدها ! , باستثناء بعض المجانين .
لم يكن الفشل المشكلة الوحيدة , المشكلة الأعظم كانت عدم المقدرة على ممارسة المراجعات والتعلم من الدروس , فالبعث رفع شعار وحدة حرية اشتراكية , بالنتيجة لاوحدة ولا حرية ولا اشتراكية , ولكن الشعار بقي قائما بشكل رسمي لفترة طويلة نسبيا , ماتغير لم يكن سوى انخفاض مستوى الصراخ والضجيج , رفع القوميون العرب شعار الوحدة أيضا ,ولكن الوحدة فشلت وماتت , وألغت بذلك امكانية التفكير بالوحدة على المدى المنظور , الا أن القوميون العرب لايزالون يصرون على مبدأ الوحدة وبعث الماضي العربي المجيد من جديد , وهل كان الماضي العربي مجيدا ؟ .
لم تكن الفتوحات “مجدا” , انما ذلا واذلالا , فعقلية الفتوحات الذائبة في الأدمغة وما رافق الفتوحات من انحدارات أخلاقية ومن فساد شرعي كان المسبب الرئيسي للوضع التأخري الانحداري الحالي , الانتصار في معارك السلب والنهب وغنائم الحرب مختلف جدا عن النجاح في ادارة أمور الحياة , لم تكن الفتوحات امجادا انما خزيا وعارا وفسادا , انتقل الى الحاضر وأتلفه نهائيا , لايحتاج “المجد” الى بترول أو الى اقتصاد المغازي , انما الى العمل والفكر الحر , غنائم الحرب قتلت الحاجة الى العمل, بقيت الحاجة للعمل قتيلة حتى بعد توقف الفتوحات , مما رفع مستوى الفساد , لكي تعيش سابقا يحب ان تحارب وتحصل على الغنائم , لكي تعيش الآن يجب ان تكون فاسدا ,اضافة الى ذلك قتلت آيات الدين المقدرة على التفكير ,واستعيض عن التفكير بالايمان, الذي لايحتاج الى العقل , لذلك نصح ابن عبد الله بقوله “لاتسألوا”!, ومن لايسأل يبقى حمارا !
الأصل في السياسة الحكيمة والمنطق السليم , هو البحث عن امكانيات وممارسات جديدة بعد فشل القديمة , الفكر الفاشل يدفن , ويستعاض عنه بفكر آخر مغاير ومتطور , وهذا ما لم تتمكن هذه الشعوب منه , لأن القيم تحولت عوائق وعراقيل في الطريق , لايكمن الوفاء للفكر القديم الفاشل بالثبات عليه , وانما بتغييره ,فالوفاء للفشل هو فشل بامتياز ..
