ممدوح بيطار , سيريانو سيريانو :
يصر بعض البدو على انهم حررونا قبل ١٤٤٠ سنة , وبالتالي علينا تقديم الشكرلهم ولمن خلفهم, لأنهم طورونا من الحالة الحيوانية الى الحالة البدوية الانسانية , لقد تحولنا الى مخلوقات مؤنسنة راقية حضارية سلمية لاتقتل ولا تمارس العنف وتتصدر الحضارة العالمية , وعندما اتم نبلاء قريش والجزيرة العربية مهماتهم وواجباتهم الانسانية تجاه جيرانهم في الشمال , والقصد هنا أهل بلاد الشام , انتقلت المهمة الحضارية الانسانية الى البدو العثماني , الذين تابعوا مسيرة التحضير والترقي , بحيث حولتنا الخلافة بشقيها العربي والعثماني الى مانحن عليه اليوم , فرجة لمن يتفرج وعبرة لمن يعتبر, ومسخرة لمن يسخر, ومضحكة لمن يضحك , ألف شكر للسلف والخلف البدوي على كل ذلك ! .
بهذه المناسبة , التي تلزمنا على الاعتراف بجميل من أطعمنا وآوانا وعلمنا الحرف والقراءة والكتابة, كل شكر قليل وكل اعتراف بالجميل زهيد ,مقارنة بفضل بدو الجزيرة وبدو آل عثمان علينا , أدامهم الله ذخرا للانسانية وعونا للبشرية ونبعا لاينضب للحرية وحضنا للجميلات من السبابا والجاريات , بشروط السبي ,التي حددوها بدقة مثل الخليفة عبد الملك برسالته المشهورة , لقد أراد السبية مختومة كالدرة المكنونة عذراء شقراء اسبانية , أو ممشوقة القوام أمازيغية, وحتى الفينيقة كان لها شرف نكحة الخليفة , التي لاتنسى ولا تنساها هذه الفينيقة السعيدة , التي شرفها قضيب الخليفة عبد الملك أعظم تشريف !.
الآن الى الجد , لقد حررنا ابن الوليد من الاستعمار الروماني , ولو افترضنا بأن استعمار سوريا كان نوعا من القدر , أي أنه لامفر لسوريا من اختيار استعمار, والخيار كان بين الاستعمار الروماني والاستعمار البدوي العربي ,فالخيار سيكون للروماني , قد تكون هناك بعض الفائدة من التذكير ببعض خصائص الأمبراطورية الرومانية وتعامل روما مع ولايات الأمبراطورية , لقد كانت هناك بفرض القانون مساواة بين الرومان وشعوب الولايات , لذلك كان هناك عددا كبيرا جدا من أباطرة روما من السوريين وغير السوريين , بالمقابل لم يكن هناك خليفة سوري واحد في مكة , النقطة الأخرى التي قد يفيد التذكير بها كانت مبدأ المساواة في البناء , فما بني في روما بني في الولاية , لذلك ترك الرومان في سوريا شبيها لما تركوه في روما وفي بيزنطة وفي اليونان , أما عن القانون فقد كان القانون من أهم خصائص الروح الرومانية , روما كانت دولة القانون , التي بدأت كمملكة وتحولت الى جمهورية , وعلى قاعدة القانون الروماني تأسست كل قوانين الدول المتقدمة في هذا العصر ,يطلق على القوانين الأوروبية الآن اسم القوانين الرومانية , وكما كان اليونان دولة الحرية بامتياز , كانت روما دولة القانون بامتياز ,وماذا كان أولئك الذين حررونا ؟؟؟؟, وماذا علمونا بخصوص منظومة الدولة والقانون والحرية , وهل كان بامكانهم أصلا تعليمنا كما تعلمنا من الاغريق والرومان وكما علمنا الاغريق والرومان !
لقد كنا ولمدة ٧٠٠ سنة تقريبا على تماس متواصل مع الرومان,ولم يقتصر تعرفنا على القانون والحرية انما شمل العلوم, ومنها الفلسفة بشكل خاص , أصل الفلسفة وتطورها ومكانتها كانت رومانية -يونانية اغريقية , ومن تعرف على تاريخ ماري وأوغاريت وبعلبك وتدمر ومسارح بصرى وغيرهم يدرك المكانة التي كنا بها قبل أن يحررنا بدو الجزيرة , لقد نافست روما الفلسفة الاغريقية بجدارة , وكانت هناك المدارس الفلسفية, التي تجد استمرارا لها حتى في هذا العصر ,يمكن بسهولة تعداد مئات الفلاسفة الرومان الكبار من شيشرون الى أوكستين , الذين لايقلون أهمية عن سقراط وافلاطون والمئات غيرهم , كتبوا الكتب التي لاتزال حتى الآن مراجع تدرس في الجامعات , لايمكن تصور فلسفة بشرية بدون أفلاطون وسقراط وزينون السوري ثم الحقوقي السوري بانبيال وغيرهم , بالمقابل قدم لنا البدو الذين حررونا الغزالي وابن تيمية على مدى ١٤٠٠ سنة , قدموا لنا آل عثمان ومحمد الفاتح والسلطان سليم وعبد الحميد وخالد ابن الوليد , قدموا لنا منظومة الحق البدوي ومفهوم الفتح , وارغموا الأمم المتحدة حديثا على ابتكار تعبير “الابادة الجماعية ” لتعريف ماقام به آل عثمان بخصوص الأرمن.
نعم حررونا من الخلق السليم ومن الأنسنة وحولونا الى وحوش على شاكلتهم , وعلينا بالتالي تقديم أحر وأعظم تشكراتنا لهم ,وكما قال ويقول بعض خنازيهم , لولا تسامحهم لما بقي منا دابة تدب على الأرض وعلى قيد الحياة , فحياتنا ملك حلال زلال لهم سرقوها كغنيمة حرب , لينعموا بها بها كما قال الله في كتابه العزيز , حياتنا ملك لهم ! , وكم أنتم كرماء يامن حررتونا وأطعمتونا وأسكنتونا و بأميتكم علمتونا القراءة والكتابة , انظروا الى سوريا وكل مافيها من أوغاريت الى ماري الى ابلة الى تدمر الى بعلبك الى بصرى الشام الى النفق المائي(القناة) الأعجوبة في جنوب سوريا وشمال الأردن, الذي بلغ طوله ١٧٠ كم وغيرهم , كل ذلك والكثير غيره كان من صنع محرررينا من بدو الجزيرة ! .
لم تحررونا يا أعزائنا ! فالعبد لايحرر , والجاهل لايعلم , لقد انتقل جهلكم الينا ,وارتشح توحشكم بنا , وتحولنا الى بدو بدون صحراء, ولا نزال بدوا حتى هذه اللحظة , تأخرنا لأننا تحولنا الى البداوة , ولطالما بقينا بدوا , فسوف نبقى دوابا ولن نفارق التأخر !.
السؤال عن الذين حررونا وكيف حررونا ضروري , هل حررونا من الجهل مثلا ؟ , وهل كان هناك فلاسفة برفقة خالد ابن الوليد عندما بتر رأس مالك بن نويرة واغتصب ارملته بنفس الليلة , وعندما احتل بلاد الشام ولون مياه الأنهار بالأحمر ؟ , ومن هم أؤلئك الفلاسفة من البدو ورجال العلم من البدو الذي وضعوا أسس الفلسفة , التي تدرس هذه الأيام في الجامعات , وهل عرف البدو مفهوم القانون الذي هو روماني بامتياز, وهل كان عند البدو افلاطونا أو سقراطا , وهل صاغت البدوية مفهوم الجمهورية أومفهوم الدولة ؟؟؟ , وهل كان هناك كتابا واحدا كتب في الجزيرة وبقلم قريشي أو غير قريشي عن التاريخ أو علم الاجتماع أو السياسة أو الفلسفة قبل السنة الهجرية الأولى ؟وهل كان هناك من يقرأ ويكتب ؟ حتى ابن عبد الله كان امي ولم يتعلم القراءة والكتابة طوال ٢٣ سنة .
هل هناك مضمون تحرري تحريري لتغيير اللغة وتغيير الدين ؟؟ , هو كوننا الآن مؤمنين دلالة على تقدمنا وهل تكلم العربية مؤشر لحياة سعيدة ؟ ودلالة على توفر الماء والدواء , لقد استعرب البعض الذي لايزال يفخر بعروبته أو استعرابه , وهل كوني عربيا يحولني الى مخلوق أرقى وأسمى من كوني فرنسيا أو صينيا ؟, وهل اقامة الأمبراطوريات والأسلمةبحد السيف (اسلم تسلم) مفخرة ؟ , خاصة عندما لايملك المحتل سوى هم استنزاف الأرض المحتلة عن طريق الجزية والجباية واختطاف البنات لكي يسعد عبد الملك وغيره بفروجهن وفض بكارتهن.
لقد ظهر حوالي ٣٠٠ عام بعد السنة الهجرية الأولى كوكبة من العلماء , الذي اتو من مناطق مختلفة خارج الجزيرة العربية , اي من بلاد فارس وكازاخستان وغيرهم , ومنهم من ولد وترعرع في اسبانيا, منهم الخوارزمي وابن سينا والرازي وحيان ابن جابر وغيرهم , هؤلاء انجذبوا الى مناطق المستعمرات البدوية خاصة العراق , كما انجذب العديد من علماء العالم الى أمريكا بفعل العامل المادي , في هذه المسألة هناك فرقا كبيرا بين العلماء الذين نزحوا الى أمريكا وبين العلماء الذين نزحوا الى مستعمرة العراق بشكل رئيسي , فأمريكا كرمت العلماء الوافدين , بينما دمرت الخلافة حياة معظم الوافدين اليها من مناطق أخرى , وضع العرب البدو او المتبدونين الآن هو برهان على عدم تمكنهم من التعامل مع الحدائة والتنوير, اي انهم لم يتحرروا على يد هؤلاء العلماء الوافدين من بدويتهم ومن خرافاتهم , لذلك لايمكنهم تحريرنا ونحن في بلاد الشام اعلى من البدو تحررا وحضارة بدرجات !
