ممدوح بيطار , عثمان لي :
يرتكز التعثر الحضاري على العديد من الركائز أو الزوايا , الزاوية الأولى هي زاوية التوحيد , التي تنتج التعصب والتفاخر والاعجاب بالذات والرأي والنرجسية , الصق التوحيد مبدئيا بارادة الخالق الافتراضي ,ووضعت له منهجية لتطبيقه في الحياة اليومية على الأرض وعلى المخلوق البشري , وذلك بالرغم من تعارضه مع طبيعة هذا المخلوق البشري !.
لاتعرف المجتمعات البشرية أكثر من التعددية ,التي تمثل التربة الخصبة والطبيعية للابداع والتطور والاثراء الانساني , حتى ضمن الطائفة هناك تعددية وضمن الحزب وضمن العائلة أيضا ,والقضاء على التعددية غير ممكن عمليا , الا أنه ممكن تلفيقا , كما كان الحال مع الأب القائد الملهم صانع سوريا الجديدة !, الذي تبنى أفكاره وميوله ونزواته وعقليته حوالي ١٣٠٪ من بناته وأـبنائه من الشعب في الاستفتاء , نسبة ١٠٠٪لصالح السيد الرئيس تعني تحول هذا الشعب الى قطيع مطيع بواسطة السوط والساطور , وليس عن قناعة وادراك وفهم وتيقن .
القضاء على التعددية يمفهوم التوحيد هو بمثابة قضاء على الوطن الجامع للمختلف والمتباين , والذي اراد الأب القائد المقبور تعليبه بشكل معلبات , لايميزها عن بعضها البعض الا تاريخ انتاجها , لاوجود لتجانس الا التجانس القسري الادعائي الكاذب , لا يمكن تجاوز التعددية شكليا الا تزويرا وتلفيقا على يد الديكتاتورية السياسية او الدينية أو شراكة الدينية مع السياسية , وهو الأمر المألوف في هذه البلاد حقيقة, بخصوص التوحيد لافرق بين القائد القديم وبين الجديد !
يرتكز العجز الحضاري ايضا على الماضوية , التي تعني الانجذاب الى الماضي وأسسه , ثم استحضار هذا الماضي لكي يدير الحاضر والمستقبل أيضا , الماضوية قوة جذب ذات دلالات عديدة , من أهمها الاعتراف الغير مباشر بالعجز عن صناعة حاضر ومستقبل أفضل , وللتستر على هذ العجز يجب تعظيم الماضي تبريرا للانجذاب اليه , وتضخيم الماضي بشكل يبرر عدم الضرورة للاضافة اليه , لاحاجة للجديد , فالماضي جيد وجديد باستمرار , أي أن الأمة الكريمة تعبش التجديد من خلال القديم , والذي قد يبلغ من العمر يوما ما 5000 سنة وسيظل جديدا ماضويا وورائيا بالنسبة للحاضر , هذه هي فلسفة الجنون التي تبحث عن الجديد في الماضي, اتقن العروبيون الجنون بهذا الخصوص , وأطلقوا عليه اسم الحفاظ على ثوابت الأمة , الأمة ثابتة اي متكلسة ومتحجرة , أي ستبقى متأخرة .
يرتكز العجز الحضاري للأمة الكريمة على خاصة المجتمع الأبوي والذكورية ,أي على بنية وكينونة معروفة في تمثيلها للقبلية والعشائرية , و حرصها على الهرمية المبنية على التسلط والخضوع الادماني المعاكس ليس للحداثة فحسب , انما المتعاكس مع طبيعة الانسان التواقة الى المساواة, التي لاتعترف الجماعات القبلية البدوية بها , أصلا ليس للقبيلة أن تمثل أكثر من مرحلة في حياة بعض الشعوب , الا أن الجمود التراثي وما يسمى ثوابت كرس هذه الخاصة الذكورية ولم يجد حاجة او سبيلا للتخلص منها ,لأن جذورها ممتدة الى اعماق الماضي السحيق , حيث فرضت البيئة على جماعة القبيلة تطبعا متناسبا مع ظروف الصحراء , التي لاتسمح بممارسة أي مهنة سوى مهنة الفزو والقتال للحصول على الغنائم , التي تعتاش القبيلة منها , الذكر هو الأنسب للغزو , لذلك تربع الذكر على كرسي القيادة , ساعدت عقلية الثوابت على انتقال منظومة الأسرة الأبوية الذكورية الى الدولة بشكل الأب الديكتاتور الممثل للأب في الأسرة ولزعيم القبيلة , كلما ابتعد الأب الاعتباري عن عضوية الأسرة اي المساواة بين مختلف اعضاء هذه الأسرة خاصة الزوجة , ضعف بنفس النسبة اهتمامه بها كأب الاسرة المسؤول عنها بالتساوي مع الزوجة , وزادت بنفس النسبة غربته عنها وميله الى استغلال رمزيتها كما هو حال الديكتاتور , الذي يزعم زورا بأنه أب الجميع , اي أنه واقعيا المستغل للجميع والمستبد بالجميع , كالذكر رب الأسرة المستبد بالجميع والمستغل للجميع خاصة الزوجة.
عاد التعثر الحضاري الى الفشل في اقامة ” مجتمع” ,بين المجتمع والشعب والأمة فروق كبيرة , لقد ابتكر الدين مفهوم “الأمة” كبديل عن مفهوم القبيلة , والأمة تشكلت نظريا من عدة قبائل متساوية في الحقوق والواجبات باستثناء قريش , التي احتكرت الخلافة اي القيادة , فشل هذا المشروع في السقيفة , التي استيقظت القبلية تحت سقفها , النجاح الوحيد كان في تحويل القبائل الغازية الى الأمة الغازية , وفي هذه الأمة ارتشحت القيم البدوية القبلية , التي تضاربت مع مركزية السلطة في الخلافة , وأحد تمظهرات التضارب كانت الردة وحروب الردة التي لها من الأسباب أكثر من سبب رفض المركزية السلطوية.
لقد تم القضاء عسكريا على الردة , ولم تتم ابادة المرتدين جماعيا كما ابيدت قبيلة بني قريظة عن بكرة ابيها , بعد الردة تم توحيد القبائل في مشروع الغزو الخارجي, ووضع لتقسيم الغنائم قواعد واحكام مثل قاعدة الخمس , أي خمس للمركز وأربعة اخماس للغزاة المحاربين , ثم جاء جبريل بالشرعنة السماوية لقانونية الغزو “فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا ” وهكذا اندفع الغزاة في كل الاتجاهات الى مصر وشمال افريقيا وبلاد الشام ثم بلاد فارس وشرقا الى حدود الصين بهف السلب والنهب ,هنا يفخر البعض بهذه الممارسات ويعتبرون احتلال اسبانيا واختطاف عشرات الآلاف من الصبايا البكر على يد موسى بن نصير وشحنهم الى الخليفة عبد الملك في دمشق انتصارا الهيا كبيرا ,بينما نعتبر تلك الأفعال جرائم بشعة اولا , ونعتبر العيش من غنائم الحرب اي من السرقات مصدرا اساسيا للفساد الحالي المستشري في المنطقة العربية , لم يدرك الغزاة أهمية ثنائية العيش -الانتاج , لأن العيش تم من السرقات وليس من انتاج شيئا ما ,لذلك تسيد الفقر والجوع في المنطقة بعد توقف الغزو وتوقف الامداد بغنائم الحرب , العرب يسرقون الآن بعضهم البعض , وحتى ريع سرقة البعض للبعض توقف لأن الجميع تقريبا أفلسوا , هناك البعض من الذين يعتاشون الآن من ريع البترول , ولكن البترول سيجف , وماذا سيفعلون بعد جفاف البترول ؟
المجتمع الرعوي أو العقل الرعوي رديف للعقل القبلي البدوي , العقل الرعوي هو عبارة عن منظومة قيمية أرتبطت بشروط تاريخية معينة , والعبرة في العقل الرعوي هي سهولة تسربه الى مفاصل الدولة الحديثة , وسهولة التسرب أكبر بكثير من سهولة تسرب العقل البدوي , والدليل على ذلك ضغيان تسربات العقل الرعوي على تسربات العقل البدوي فيي كينونة الانسان العربي المعاصر الذي يجمع حقيقة بين العقل البدوي والعقل الرعوي بآن واحد وبنسب مختلفة .
العقل البدوي محلي ومختص أصلا في مرحلة ماقبل الحداثة , أما العقل الرعوي فليس محليا ولا يرتبط بالصحراء , الا أنه يتشارك مع العقل البدوي في عرقلته لقيم الحداثة , يرتبط العقل الرعوي بثنائية الأنسنة – التوحش , ثنائية النظام- الفوضى , ثنائية الأخلاق – الجلافة … الخ , لاتحتكر شعوب هذه المنطقة الرعوية , فالنظم العالمية التي ولدت في عصر الحداثة كالنازية والفاشية كانوا عمليا حالات رعوية , كما هي حالة الجمهوريات والمملكات العربية الآن .
