ممدوح بيطار,جورج بنا :
اذن تناسبت فوائد الغزوات طردا مع عددها وعنفها وانتصاراتها , فمن لاير مشكلة في 33 غزوة سلب ونهب وقتل لم يفكر بالشعوب التي استهدفت بتلك الغزوات ولم يفكر بوضعه في ما لو تعرض ذلك المرحب بالغزو وتعرضت بلاده للغزو ,حيث يتم كالعادة في الغزوات السلب والنهب كغنائم حرب ثم تسبى النساء ليتم بيعهم كسبايا كما فعلت داعش مؤخرا , وماذا كان ذلك الغزواتي ليفعل كأحد سكان بلاد الشام لو فوجئ بأربعة جيوش وعشرات الآلاف من السيوف وهي تحاصر مدينته وتذبح كل من يقف في وجههم أو لمجرد كونهم من أهل الذمة ,وفي ذلك الوقت شكل الذميون حوالي 80%من السكان , وكيف سيرتكس لو أرغم على دفع الجزية عن يد وهو صاغر , أغلب الظن أن ذلك الغزواتي يعتبر الهجمة الصهيونية على فلسطين عمل اجرامي شرير , بينما يعتبر احتلال الهند او اسبانيا قبل عشرات القرون عملا عظيما , وهل يقبل اي انسان سوي قدوم غزاة من مجاهل الصحراء ليحتلوا او يفتحوا بلاده وينكحوا والدته وأختة وزوجته وبنته او قريبته أو جارته ,ولو وجد شخص من هذا النوع فماذا نطلق عليه من اسم ؟
لم يشك الغزواتي الكريم برغبة هذه الشعوب الادمانية بقدوم الغزاة من مجاهل الصحراء لاستعمارهم وفتح بلادهم , ولم يشك اطلاقا بترحيب هذه الشعوب لتدفق الحضارة الصحراوية الى ديارهم , أي أن انحطاط شعوب بلاد الشلم قد حول هذه الشعوب الى قطعان تواقة لقدوم وصي بدوي يحضرها وينقذها من التأخر ويحررها من الاستعمار الروماني- الفارسي الغاشم , وليبقى البدو مدى الدهر حكاما , لم يعرف التاريخ أرحم منهم , قال لوبون !
لاتتعلق المشكلة في النظرة للموقف من أحداث مضت وانقضت وليس لها أي استمرارية في الحاضر, وانما بمشاكل الحاضر والمستقبل ,خاصة عند الشعوب التي تحولت الى هدف للغزو الخارجي كالشعوب العربية , فكيف سيتمكن شعب من الدفاع عن نفسه ضد الغزو الخارجي , عندما يعتقد بأن الغزو الخارجي أمرا محمودا ولا بد من المزيد منه , المزيد من الغزو يتناسب مع المزيد من الفائدة , والصديق المروج للغزوات فرق جهلا أوانحيازا بين غزواته كجندي افتراضي من جنود خالد أبن الوليد وغزواتهم كالرومانية أو غيرها , غزواته جيدة , وغزواتهم سيئة , غزواته نعمة وغزواتهم نقمة, وكأن هذا الغزواتي يتكلم بلسان ابن الوليد وعبيدة وشرخبيل اضافة الى عمر ابن الخطاب وكل شلة الفاتحين , التي اعتبرت الفتوحات واجبا دينيا من جهة , ومن جهة أخرى انقاذا لهذه الشعوب المتأخرة كشعوب بلاد الشام , لاعلاقة للفتوحات بغنائم الحرب والاستغلال والاستعباد كما يدعي البعض من القطيع المتصهين , جاء البدو لتحرير وانقاذ وتحضير هذه الشعوب بدون أجر ..لله تعالى !, فالله أراد لهذه الشعوب دينا جديدا(آخر تقليعة), الله أسلم على دين ابن عبد الله وتحول الى واحد من رعية ابن عبد الله .
رؤية الاحتلالات كعظمة والمحتل كعظيم أمر خطير جدا على حاضر ومستقبل الشعوب التي مارست الغزو, والتي لم تعد حاضرا مقتدرة حتى على الدفاع عن نفسها تجاه الغزو الخارجي كالشعوب العربية , التي اصابها الوهن العسكري والاقتصادي ,فمن يعتقد بعظمة ظاهرة الغزو والانتصار والاحتلال , يقدم تبريرا وتفهما مبدئيا للغزو أي لغزوها من الخارج , لأن الغزو والانتصار في الحروب عظمة كما يدعون !! , فمن يروج للغزو والاحتلال على أنه عظمة , لايتمكن منطقيا من رفض احتلال بلاده من قبل الغرباء الفاتحين الغزاة , فمن يرى احتلال اسبانيا كفتح مبين وعظمة لايستطيع رفض احتلال فلسطين من قبل الصهاينة , لأن من يتمكن من احتلال فلسطين , بالرغم من مقاومة مئات الملايين من العرب لهذا الاحتلال , لهو من أعظم العظماء , ليس تاريخيا فقط وانما أخلاقيا ,وبنفس المنطق يجب اعتبار تحقيق الصهاينة لأمبراطورية من الفرات الى النيل عملا عظيما يستحق الثناء والفخر ,أذا كان تأسيس الأمراطوريات عظمة , فالأمبراطورية الصهيونية بمنتهى العظمة!
هناك معايير للعظمة التاريخية , فبمعيار العظمة التاريخية يجب اعتبار عمر ابن الخطاب وأمبراطوريته العربية من أعظم عظماء العالم , فهو الذي انتصر على الأميراطورية الفارسية وانتصر على الرومانية, وهذا المعيار يشمل الكثيرين الذين غيروا التاريخ المحلي والاقليمي والعالمي , مثله مثل بعض الفراعنة كرمسيس الثاني ودارا الفارسي ويوليوس قيصر وهانيبال وهرقل ومعاوية وعبد الملك والسفاح أول خليفة للعباسيين وصقر قريش والأيوبي وخالد ابن الوليد وجنكيز خان ثم هولاكو وتيمور لنك وسليم الأول ومحمد الفاتح وفردياند وايزابيلا والسلطان بيرس ثم محمد بن عبد الوهاب وهتلر وماوتسي تونج وستالين وعبد العزيز آل سعود والكثير غيرهم,
معيار العظمة هذا زائف لعدم انسجامه مع الأخلاق والقيم العليا وحقوق الانسان , وانما بمدى التأثير الاقليمي والعالمي لهؤلاء القادة ومقدرتهم على تغيير الواقع حربيا بما يضمن تأسيس أمبراطوريتهم , دون أخذ ارادة الشعوب الأخرى بعين الاعتبار , ودون مراعاة الملايين من القتلى , ثم بحور الدماء وجبال الجماجم والأشلاء ,والانتقال بعد ذلك الى الاستعباد والسلب والنهب, وضمان استمرارية كل ذلك عن طريق الدين الذي حارب به ومن أجله تلفيقا عمر ابن الخطاب ورفاقه , فتأثير البطل الذي استحق أو انتحل لقب العظيم , لايقتصر على المعركة التي انتصر بها ثم عواقبها المباشرة على الناس , وانما استمرار كل ذلك حتى الى أحفاد أحفاد الأحفاد , وفي حالنا العربي هناك استمرارا لكل تلك الشرور حتى هذه اللحظة , هناك من يقدس عمر , وتقديس ” العظماء ” الملوك والرؤساء مستمر حتى هذه اللحظة .
اخضاع واذلال الغير ” كعظمة “, انعكس داخليا بشكل اذلال واخضاع الشعوب , عقلية القنص وغنائم الحرب انعكست أيضا على الداخل بشكل فساد , استعمار الخارج انعكس الى الداخل كاستعمار داخلي , وماذا يفعل المصاب بلعنة الاستعمار عندما لايجد خارجيا ما يستعمره ؟ ,تذبيح الغير في الخارج تحول الى تذبيح الناس في الداخل , كل مافعلته الفتوحات القريشية مع شعوب الخارج تحول الى ممارسات في الداخل .
لقد ذج عمر ابن الخطاب وغيره الدين قي نشاطات الحرب والاحتلال كما فعل ابو بكر البغدادي قبل سنوات قليلة, وما رافق ذلك من تقتيل وظلم, أي أنه سفك الدماء واحتل أو فتح البلدان بمشاركة الدين , لذلك يجب تقييم ما قام دينيا ابضا , لقد اساء للدين وأساء للشعوب التي غزاها وحتى أنه أساء للمحاربين , الذين جندوا في حروبه , والعديد منهم قتل وقتل عشرات الالوف من البشر , ماقام به عمر وغير عمر من حروب ظالمة وسفك للدماء هو شر قبيح , ومن يؤيد تلك الحروب شرير قبيح سواء كان انسان او عقيدة !
