الفن والحرية والحسنين نصر الله والبنا …..
جورج بنا , ربا منصور :
عام ١٩٥٤ وافقت المغنية صباح على اقامة حفلة غنائية على مسرح سينما الدنيا في حماه ,ولكنها وقفت قبل بدية الحفلة على المسرح لتقول للحموية وداعا ياحماه , حدث ذلك بعد ان فجر الاخوان قنبلة على مدخل السينما , بسبب ذلك لم تقام في المدينة المؤمنة بين عام ١٩٥٤ وعام ١٩٧٠ اي حفلة غنائية !
طبعا يسأل الانسان في هذه الحالة عن الدوافع التي قادت الى محاولة منع صباح من الغناء بتفجير قنبلة على باب السينما ,أغلب الظن ان الدوافع كانت دينية , لأن الاخوان لايندفعون للقيام بأي شيئ بدون خلفية دينية, وللخلفية الدينية علاقة بفهمهم للنصوص والفهم أو التفسير او التأويل مختلف عليه بين مختلف الفئات الأصولية , الاخونج فئة من مئات الفئات الأخرى , الا أنها الى جانب فئة حزب الله من أكثر الفئات ملتزمة بالدين وبنفس الوقت من أكثر الفئات ممارسة للعنف والاغتيالات , لا نعرف حقيقة اذا تقدم الاخونج على حزب الله في نوعية وعدد الاغتيالات , او تقدم حزب الله على الاخونج , في العصر الحالي اي بعد عام ١٩٨٠ يتقدم حزب الله على الاخوان , أما قبل عام ١٩٨٠ فقد تقدم الاخوان على بقية الفئات في ممارسة الاغتيلات والعنف , لم يكن هناك أصلا قبل ١٩٨٠ حزب الله .
لم تكن ممارسات حزب الله وممارسات الأخوان وغيرهم من القتلة سوى تطابقا مع طبيعة المجتمعات التي نشأوا بها , انهم الصورة الأقرب الى هذه المجتمعات المليئة بالدين والتدين , المتهم بكونه مصدرا رئيسيا للعنف والاغتيالات , القول بأنهم جماعات ضالة خاطئ نسبيا , انهم كما اطلقوا على أنفسهم في عدة حالات “الطليعة” , الخلفية الفكرية ومفهوم الجهاد ثم التكفير وتشريع قتل المختلف ثم احكام الردة وغير ذلك من المفاهيم المتوحشة تحول كل مؤمن بهذه الخلفية الفكرية الى مشروع قاتل وقتال , والتاريخ الدموي طوال القرون الأربع عشر الأخيرة يبرهن عن صحة ذلك.
لهذه الخلفية ديناميكية حتمية الوصول الى العنف , فحسن البنا أسس منظومة الاخوان في اواخر عشرينيات القرن الماضي كحركة “احيائية ” هدفها تكريس ثقافة دينية محددة , الاأن حركة حسن البنا تحولت بعد أقل من ١٠ سنوات الى السياسة والى العنف والاغتيالات ولم تكن بدايات حزب الله مختلفة عن بدايات اخوان حسن البنا , كلهم حولوا الدين الى دولة وحولوا الدعوة الى جهاد , والجهاد بما بقي منه في هذا العصر ليس الا شرعنة للعنف والقتل والارهاب بشكل عام , مع الاقرار بوجود قلائل من الذين لم يلتزموا بخلفية حسن البنا الفكرية خاصة ممارسات العنف مثل مصطفى السباعي , وذلك بالرغم من تتلمذه على يد حسن البنا .
يمثل الاخوان “تنظيم الأمة ” دون استئذانها , وكونهم امميون لايعترفون بحدود الأوطان سارع في انتشارهم وفي قوتهم ايضا ومايمزهم بشدة عن القوميين المؤمنين بالأوطان الجغرافية المعترف بها دوليا, , كون القوميون يمثلون ما هو موجود واقعيا ومحدد قانونيا ومعترف به دوليا , بينما يدعي الأخوان انهم يمثولن أمة لاوجود لها بشكل محدد , شكلها الافتراضي ديموغرافي مطاط هلامي وليس جغرافي معترف به من قبل بقية العالم المؤلف من دول وليس من أفراد أو جماعات دينية , لا نعرف موجبات لاختراع مفهوم الأمة الاسلامية , بينما لاتعرف الأديان الأخرى مفهوم الأمة , اذ لاوجود لأمة بوذية على سبيل المثال , ولا تشكل الأمة دولة , انما تتضمن الدولة عدة أمما أو شعوب , الدولة سياسية وبالتالي اجتماعية , انها مجتمع بعقد اجتماعي يجمع العديد من الشعوب بشكل دولة ,الى جانب ذلك هناك اوجه تباين عديدة بينم الامميين الدينيين وبين القومويين , مما يفسر حدة الصراع والحروب بينهما , لاضروة للتوسع في تشريح التنقضات بين الفئتين , اننا في موضوع الفن بشكل رئيسي!.
لقد تعرضنا الى صباح وحغلتها , التي تم تفجيرها كممثل للفن, ولتناقض الفن مع المفاهيم الدينية التي يمثلها الاخوان وحزب الله بذات الدوافع والخلفيات , التي تم الافصاح عنها في حرب لبنان الحالية , اذ انتقد حزب الله العديد من النشاطات الفنية في لبنان في الأشهر الأخيرة ,تعود جذور الرفض او الانتقاد الى تباينات جوهرية بين الفن والدين , فالفن يرفض الضوابط الدينية مهما كانت , لا يستقيم الفن مع المطلق الدوغماتيكي, ولا يستقيم الدين مع النسبي الديناميكي ,يخضع الحس الفني الى واقع داخلي, لايخضع الفنان لواقع مفروض من خارجه , الفن تمرد وليس طاعة وانصياع , الفنان يرى العالم ليس كما هو , انما كما يراه الفنان أو كما يريده الفنان , هناك العديد من التناقضات بين دين يريد أن يكون دنيويا اضافة الى كونه سماوي , ولا وجود لتلك التناقضات بين الفن وبين دين حدد وجود مملكته في السماء وليس على الارض , بعبارة أخرى هناك فرق بين دين يعتبر نفسه دولة ايضا , وبين دين لايعتبر نفسه دولة , وهذا هو جوهر امتناع الملائكة عن دخول بيت علقت على أحد جدرانه صورة ,وهذا هو جوهر تحطيم الآلات الموسيقية على يد طالبان في افغانستان .
ليست الاعمال الفنية في العديد من الدول العربية سوى زندقة محرمة , الا أنها بالرغم من ذلك موجودة , ووجودها يمثل هزيمة الاخوان من كافة الفئات وتآكلهم الذي يتم بالتدريج وبتزايد , يدين الفن في وجوده الجميل المبهر للحرية قبل كل شيئ , اين هم اخوان حسن البنا من الحرية, وأين هم اخوان حسن نصر الله من الحرية ؟
Post Views: 699