ممدوح بيطار , جورج بنا :
نظرا لأهمية العقل والعقلانية ثم أهمية الايمان , سنركز على هاتين النقطتين , لكونهما مصدرا لفعلين مختلفين , الأول يمثل فعل متغير حسب الزمان والمكان وفاعل متغير حسب الزمان والمكان , أما الثاني اي الايمان فيمثل انفعالا ثابتا على الرغم من تغير الزمان والمكان , اي باختصار , الانسان ذوالعقل يعتبر بشكل عام فاعل , بينما يعتبر الانسان المؤمن بشكل عام منفعل ,لا شك بأن كل ذلك يمثل ماهيات انسانية مختلفة تضاف الى العديد من الماهيات الأخرى مثل ماهية المخلوق البشري المؤنسن او ماهية المخلوق البشري المتحيون الخ.
لايعني اختلاف وجه او وجوه الماهية ان كانت عقلانية او ايمانية , او ان كانت ذكورية او انثوية,اختلافا في قيمة الانسان مهما كان شكل ماهيته , ذلك لأن الانسان أصلا هو مصدر كل تلك الماهيات المختلفة ,مصدر العقل مثلا هو اللاعقل أي الفطرة او الغريزة , التي تتحول بفعل وسائل التربية المختلفة الى عقلانية أو أخلاق, والتربية تختلف تبعا لمرحلة العمر , اذ هناك تربية تخص مرحلة ما قبل التمايز الجنسي اي المرحللة الغريزية , التي تمتد الى السنة السادسة من العمر تقريبا , وهناك ما يسمى اصطلاحا المرحلة السياسية التي تعني التعليم والتأهيل وتهذيب الغرائز وتزويد الانسان بخاصة النضوج والبلوغ , التي تمتد من نهاية مرحلة قبل التمايز الجنسي الى آخر الحياة , ليس من النادر ان يبقى الانسان غريزي اي طفلا حتى في سن البلوغ , أي انه يبقى بدون عقل طوال حياته بسبب قصور في ما تسمى المرحلة السياسية اي المرحلة التدريبية التعليمية التأهيلية .
اذا كان مصدر العقل هو اللاعقل اي الغريزة , لذا يمكن اعتبار الايمان مصدر عدم الايمان , فلولا الايمان الذي يعتبره البعض فطري او غريزي ,لما كان هناك عدم ايمان خاصة في مجال الدين , الذي يعتبر ساحة الصراع الرئيسية بالنسبة للايمان أو عدم الايمان , الساحات الأخرى مثل الساحة الايديولوجية السياسية او الاجتماعية أضعف بدرجات من الساحة الايمانية الدينية خاصة في المنطقة العربية , حيث يملأ الدين حياة الناس بالخرافات والقيم المهترئة , الأمر في مناطق أخرى من العالم مختلف بشدة ,لذا لا يستقيم مايجري في المنطقة العربية مع ما تتم ممارسته في بقية انحاء العالم , ففي هذه المنطقة يعتبر الدين فطري أي ولادي , وهذا الاعتبار خاص بالدين الحنيف فقط, ولا يسمح بتطبيقه على بقية الطوائف في ديار الغلبة الغالبة المحمدية ,قال روسو من يرفض الخضوع المطلق لأي سلطة بشرية , عليه رفض اي عقيدة متوارثة , أي أن القول بأن الدين الحنيف فطري او غريزي وأن الطفل يولد على دين معين خاطئ, انه اضافة الى ذلك سجن ابدي لاتحرر منه سوى بالردة , التي تقابل بحد الردة , الذي من الصعب تصور نتائج تطبيقه !.
لاوجود لوحدة العقل والايمان في كيان الفرد بشكل متساوي او متوازن ولكن بشكل متوازي, بشكل مزيج من الكثير من العقل والقليل من الايمان أو بالعكس , ففي كل منا يكمن عدة أشخاص , يتصارعون احيانا داخليا (الصراع الداخلي ) وقد يتطور التباين بينهم لينتج حالة مرضية تسمى مرض الفصام , ولا صحة للقول ان وجودهم بنفس القوة يؤمن الاستقرار , فمنذ قديم الزمان يمدح الانسان غيره “برجاحة العقل ” , اي أنه لابد من ” رجاحة ” اما للعقل او للايمان, لا وجود للعقل الذي يؤمن بشكل رئيسي ,ولا وجود للايمان الذي يعقل بشكل رئيسي , ولا يمكن لليقين الرئيسي في وجدان الانسان أن يكون ازدواجي , انما قد يكون ثنائي مع رجاحة عنصر على آخر.
الايمان الثابت لايتنور بنور العقل , فالايمان الثابت يمثل الايمان الأعمى ,وجود بعض الايمان في حالات الشك, التي لم يتمكن العقل من تفكيكها وتفسيرها قد يكون مرحليا مريحا , الا أن محاولة تبديد كل شك بالايمان , كما يفعل المصابون بعصاب التدين , ليس الا انتحار , تبديد الشك يكون بالعقل وبالعلم وليس بخرافات الايمان ,مثل السماء السابعة والبغلة الطائرة في الاسراء والمعراج أو الأرض المسطحة وفي جهنم والجنة والحوريات والغلمان والهذيان وفي الجريمة والارهاب الجهادي من أجل الشهادة او حتى بالجهاد في سبيل الخالق ,وكأن الخالق القادر على كل شيئ بحاجة الى الجهاد في سبيله, وكم قاد الايمان الأعمى الى خلافات وأزمات وحروب وتقتيل وتخريب نراه ونلمسه هذه الأيام بأبشع صوره , هل يمكن تبرئة الايمان بالمهدي المنتظر ساكن السرداب او بالمسيا المنتظر من التسبب بالكارثة الانسانية التي نعيشها في هذه الايام في لبنان , التي فقد البشر بها رجاحة العقل !!!
Post Views: 780
