عثمان لي, جورج بنا :
منذ ١٤٠٠ سنة وتدهور القيم وانحطاط الأخلاق بتزايد مستمر ,لقد أصبح الفساد مرشدا وقانونا , الفاسد شاطر والنظيف غبي , وكل ذلك ليس بالجديد ,على أي حال لايوجد في سوريا قتلا يمكن القول عنه على أنه محق , كل قتل اجرام , وبالرغم من ذلك تم تقتيل عشرات الآلاف من الناس أطفالا وشبابا وشيوخا رجالا ونساء , وليس من الغريب أن يمر هذا المجتمع المريض مرور الكرام على تلك المجازر , بالرغم من عدم وجود مجزرة أسوء من مجزرة أخرى , الا انه يوجد ضحايا أفضل من ضحايا , أن تقتل مؤيدا فهذا عمل ارهابي , أن تقتل معارضا فهذا عمل وطني, وبنظر البعض الآخر ان تقتل معارضا فهذا عمل ارهابي , وأن تقتل مؤيدا فهذا عمل وطني !.
يستخدم التباكي الرموز الدينية الممثلة عمليا لقضية كل سوري او بالأعم كل عربي , لم يعد هناك “سوري” , هناك الطائفة والطائفيين العرب , أما” السوري” فقد انقرض ولم يعد له وجود, وهل يأسف أحد في هذا العالم على ذلك ؟ ؟ وماذا تخسر الانسانية لو انقرض الجنس العربي ؟ تصوروا العالم بدون” العروبي السوري ” وقارنوه بالعالم مع تلك الممخلوقات الممارسة للقتل والتخريب , ايهما أفضل ؟ , سؤال مر جدا !.
أصبحت البكائيات نوعا من الممارسة اليومية , هناك من يندب حظه لعدم وجود من يبكي عليه , وهناك من يدعي بأن البعض لايحظى بنصيبه من التباكي, مقتل الانسان في هذه البلاد أصبح برنامجا يوميا , االتضامن مع الآخر أصبح سطحي لفظي ودعائي وحتى فولوكلوري في معظمه, أصبح المجتمع السوري بعد جهد جهيد بذلته الأسدية بالشراكة مع الأصولية مجتمع طوائف وملل , هناك طوائف بمشاريع هيمنة قسرية بحد السيف , وهناك طوائف تستخدم السيف والعنف اضافة الى مفهوم الغلبة الغالبة , أي أنهم أنهم أكثرية ومن حقهم أن يحكموا , بغض النظر عن الفرق بين مفهوم الأكثريةـ الاقلية المذهبي وبين مفهوم الأكثرية ـالأقلية السياسي .
لايعني الانتماء الى دين معين الانتماء الى طائفة معينة , فالطائفة تكوينا ذو بنية طائفية , تكوين الطائفة يعتمد على وجود “مشروع” (كما قال أدونيس بحق) , والمشروع هو الذي يقود الى “التراص” بين أفراد مذهب معين وبالتالي الى تكوين طائفة , هناك العديد من الأمثلة عن هذا الوضع , هناك أخونج من مختلف الطوائف , أي هناك مذهبية سياسية متراصة تجمع أفراد اتجاه ديني معين تحت مظلتها , ومشروعها واضح وجلي , انها تريد الهيمنة كطائفة وليس كأفراد اوجماعات سياسية , المنتمي الى الاخونج أصبح من مرتبة اجتماعية ووظيفية معينة لأنه فرد من أفراد الطائفة , وهذا ينطبق على اخونج كل الطوائف مع بعض الاستثناءات .
فالكتابي مثلا هو أولا ذلك العلماني أو الشيوعي أو السوري القومي أو …أو , الا أنه لايجلس تحت مظلة “طائفة”, هؤلاء ينتمون الى الوطن , وليس لطائفة معينة تتميز بالتراص بين اعضائها وتتميز بكونها ” كطائقة” ذات مشروعا سياسيا خاصا بها ,بعد فشل مشروع الوطن من الجميع وللجميع , لم يعد لهؤلاءالغير منظمين طائفيا من مشروع سوى مشروع الهجرة , التي تتم بصمت ونجاح كبير , اذ لم يبق منهم في البلاد سوى حوالي 2-٣% من السكان تقديرا , وبعد سنوات قليلة ستتحول نسبتهم الى الصفر , لايتقبل مجتمع الطوائف جماعات ليست طائفية , اي لاتمثل طائفة متكافلة متضامنة ,انه مجتمع الطوائف المؤمنة وليس مجتمع المواطنة .
لما كان المجتمع السوري قد أصبح تجمع طوائف وملل , فلامهمة أو أهمية لوجود الكتابي على سبيل المثال ,ولا تمثيل له في الديباجة الطائفية , انه نكرة لأنه لم ينظم نفسه في طائفة طائفية , انه هامشي ولا حصة له في حبكة المحاصصة , لأن الحصة هي للطائفة التي لها وجود , ومن حظه أنه لايوجد من يبكي عليه , انه هامشي وبدون أهمية فالأهمية هي للطوائف , انه منبوذ في مجتمع لايفهمه وبدوره لايفهم هذا المجتمع ,نقول “منبوذ” عمدا , ولو لم يكونوا منبوذين لما تدنت نسبتهم بشكل تدريجي من ٢٠٪ بعد الاستقلال الى أقل من ٣٪ في الفترة الأخيرة , ومعظم هذا التناقص حدث ليس في الخمسينات , وانما بدأ بشكل ملحوظ بعد عام ١٩٧٠ , أي بعد بدايات تأسيس مايسمى العلوية السياسية .
هاجر أوهرب الكتابيون الى مجتمعات تفهمهم ويفهموها , وبالتالي هروبهم من الجحيم الطائفي مفرح ولا لزوم للتباكي عليهم ,هذه البلاد لم تعد بلادهم واستضافتهم من قبل بشار أو أبو بكرالبغدادي او الجولاني او الشيشاني لاتليق حتى بالكلاب , وما هو الدافع لكي يبقى الانسان “كلبا” عند بشار أو عند أبو بكر او الحسون او البوطي او البيانوني ؟
هناك خصوصيات أخرى ليست بالمهمة جدا ولكن ليس من الضار ذكرها , هناك من يتحدث عن الجغرافيا الطائفية, ويزعم بأنه ليس للبعض جغرايا طائفية, ليس للكتابيين في سوريا جغرافية دينية كما للدروز او قوم علي على سبيل المثال , انهم موزعون على كل المناطق السورية تقريبا ,وبالتالي لايمكنهم التفكير بدولة تخصهم كما هو الحال بالنسبة للأكراد وبالنسبة لأهل الساحل او غيرهم, بالرغم من أن نسبتهم كانت مساوية أو أعلى من نسب فئات أو طوائف أخرى , لايمكن التفكير بدولة “ارمنية” في سوريا مع العلم على أن نسبة الأرمن كانت حوالي ٤٪ من السكان, وتساوي تقريبا نسبة الدروز وللأرمن جغرافية حلبية لاتقل عن الجغرافيا الدرزية,قد تقود الجغرافيا الدرزية الى اقامة دولة درزية , وقد كانت هناك دولة درزية لفترة في القرن الماضي, والحال ينطبق على أهل الساحل.
نصح البعض الكتابيين بأن يغاروا من الدروز ومن قوم علي وغيرهم , وكأن القوقعة في طائفة هي مدعاة للغيرة , أما نحن فننصحهم أن لايمارسوا ” الغيرة” بل أن يمارسوا “المغادرة ” , وهم يفعلون ذلك بشكل تلقائي بنصيحة وبدون نصيحة!
