روبا منصور , مها بيطار :
لاشك بوجود مرحلة متقدمة من طائفية الوعي عند مختلف الطوائف في سوريا , كل طائفة من الطوائف تتألف من مجموعة بشرية متحدة داخليا ومؤمنة بأن حماية مصالح هذه المجموعة لايتم الا عن طريق تفاقم وعيها الطائفي, اي ارتفاع مستوى طائفيتها , يؤمنون أيضا بشكل خفي وكامن أو حتى علني بأن المجموعة الأخرى غير مقبولة الا أذا استسلمت لمفهوم الهيمنة , أي هيمنة طائفة على غيرها , لذا فان الوجود السوري كمجتمع أو دولة يعتمد على مفهوم الهيمنة على الآخر , أي نفي عملي لمفهوم المساواة , ويبررون كل ذلك بخبرات سابقة ومؤلمة خاصة أيام الاستعمار العثماني ,كل ذلك قاد بعد نهاية الحرب العالمية الأولى الى تطورات على الأرض السورية , التي اعلن بعد هذه الحرب انها تمثل دولة واحدة , ولكنها قسمت بعد ذلك الى عدة دويلات, ثم عادت الى الاندماج والآن انفرط عقد هذا الاندماج .
لم ينقطع الأخذ والرد حول الدويلة ضمن الدولة , ولم تنقطع ضمنيا الرغبة في تطبيق مفهوم الدويلة , بالرغم من الرفض الرسمي لهذه الرغبة التي يشعر بها ضمنيا 95% من اتباع طائفة, ويرفضها ظاهريا ٩٥٪ من من أتباع هذه الطائفة , سبب التباين بين الظاهر والخفي يعود الى أسباب عدة منها الباطنية ومنها أيضا عدم تمكن الطائفة من تكوين وعي طائفي يسمح بالمجاهرة والمصارحة ويسمح لها بالتخلص من نفاق العروبية ونفاق الوحدةالسورية الخ , لم يتكون عند الطائفة وعي طائفي كالوعي الطائفي اللبناني مثلا , فاللبناني مريض طائفيا , لكنه ابتكر وعيا طائفيا علاجيا , اللبناني يصارح بطائفيته ويعمل صراحة من أجل طائفته ,يحاصص ويماحص ويقوم بتكوين الاحلاف الطائفية ,عموما يمكن القول بأن المحاصصة اللبنانية كانت سيئة , الا أنها كانت أفضل من غيرها , وفي ظل المحاصصة المعلنة كان هناك شكلا مقبولا من الحياة اللبنانية , الشكل المقبول أو الجيد كان توقعا مرحلي , الآن أفلس نهائيا , بدلا من تكريس الدولة اللبنانية نجد الآن تفتيتا وتهديما لها ثم احتكار قرارها من قبل جماعات مسلحة , اي أن الدولة اللبنانية تتواجد الآن في مرحلة ماقبل الموت النهائي , لقد انتهى عمرها, ويجب البحث عن بديل جديد لها .
لقد اخترع اللبنانيون علاجا مهدئا ومسكننا للمرض الطائفي ,أما في سوريا فقد اخترع السوريون حلا أخر يعتمد على الحرب بكل الوسائل المتاحة والممكنة , والنتيجة كانت الانهيار التام كما نراه اليوم بالعين المجردة ,خراب اينما نظرت , ثم جوع وفقر لامثيل له , لا مسؤولية لأحد عنه سوى السوريين , الذين هيئوا كل الظروف , التي ستقود حتميا الى تدمير البلاد , من أهم هذه الظروف تكريس الطائفية السياسية , وعدم التمكن من ممارسة الديموقراطية واحترام حقوق الآخر ووجوده كمواطن ,لذا انقسم المجتمع ديموغرافيا طائفيا وحتى جغرافيا ايضا وتشكلت عمليا عدة كيانات شبيهة بالدول مثل شرق الفرات ثم ادلب وفي الجنوب السويداء والحبل على الجرار, تكلل انتهاء وجود الوطن السوري بموجة من هروب أكثر من نصف السوريين ولجوئهم الى دول أخرى , ولما كانت المصائب لاتأتي فرادا, تأزمت علاقات اللاجئين السوريين مع مجتمعات الدول المضيفة خاصة المجتمعات الأوروبية المختلفة بأعرافها ونظمها عن المجتمعات الشرق أوسطية مثل المجتمع التركي أو اللبناني أوالمصري وغيرهم.
هناك للتأزم العديد من الأسباب , منها عدم مقدرة بعض المجتمعات على تحمل اعباء اللجوء المادية مثل لبنان , ومنها مايلاحظ من اصرار اللاجئين في اوروبا على نوع من الممارسات المألوفة في سوريا والمرفوضة في الدول الأوروبية , التي لاتريد من اللاجئ ان يبقى لاجئا , انما تريد منه أن يتحول الى مواطن مندمج ومنتج , حصل كل انسان في المجتمعات الأوروبية على حقوقه , ولكن هل قام كل لاجئ بواجباته مثل العمل وتحويل الدخل المادي من المساعدة الاجتماعية الى الدخل من عرق الجبين ؟, في ظروف الفساد المهيمن في المجتمعات المتأخرة , لم يتعلم انسان هذه المجتمعات الاستقامة وتمويل الحياة من عرق الجبين , الفساد كان مصدر الرزقة وليس العمل , اي أن ثقافة ثنائية الانتاج -العيش كانت ضعيفة جدا .
أحد أسس الخلل في المجتمع السوري كمن سابقا في عدم التمكن من تطوير وعي طائفي يضمن توازنا بين الطوائف ومحاصصة مقبولة من الجميع كما كان الحال اللبناني , وحتى نموذج المحاصصة اللبناني كان ترقيعيا , وكان فشله على المدى المتوسط والبعيد متوقعا , فالمجتمع لايتألف على مستوى الدولة السياسية من طوائف دينية , انما من أحزاب سياسية,ولا يمكن للاحزاب السياسية المختلفة أن تعمل وتنتج في اطار في اطار التوحيد , اي الرأي الواحد والاتجاه الواحد , الذي يحدده الشخص الواحد , والذي يزور نتائج استفتاء اي موافقة 99,99% من الشعب على رأيه وعلى موقفه وارادته ,يبدو وكأن الوضع في البلدان العربية عموما عصي على العلاج والتصحيح.
نظريا يمكن القول ان ماوصل اليه المجتمع السوري من تفسخ ليس قدرا , وقد كان بالامكان الوقاية من تفسخ هذا المجتمع بعدة طرق ,منها تطوير الوعي باتجاه سياسي مدني مؤسس على الاستفادة من الاختلاف , الضامن للمساواة بين الجميع في الحقوق والواجبات بغض النظر عن الانتماء الديني ,الذي لايصلح لادارة السياسة , لاتضمن الطائفية حق المساواة بين الجميع ,لذا تهدرالطائفية دم الأكثرية والأقلية , اي تهدر دم الوطن والمواطنة!
