ممدوح بيطار, ربا منصور :
لايقتصر تفكيك مفهوم عقد النكاح المشوه لكينونة وكرامة الانسان امرأة ورجلا على التقزز من مفردة “نكاح” ومن مدلولات تقزيم الزواج ليصبح نكاحا , بالنتيجة تتوقف حالة الزواج عن الوجود عند ما تتوقف ممارسة النكاح لسبب ما كتقدم العمر .
لاتزل مفردات الحيونة والانحطاط تزدحم في مواد ونصوص قانون الأحوال الشخصية السوري ,فالمادة 34 تقول يجوز التوكيل في عقد النكاح , والمدة 266 تسخدم مفردة أشد حقارة من مفردة نكاح , تقول المادة “الموطوءة بشبه اذا جاءت بولد “,لا ضرورة لسرد المزيد من معالم الانحدار اللغوي والمفاهيمي والأخلاقي في هذا القانون , فما هو الدافع للاصرار على تعريف عقد زواج على انه عقد نكاح , وكيف لايخجل واضعي هذا القانون من استخدام مفردة “موطوءة” ,مع العلم بأن الغالبية الساحقة من البشر يعتبرون استخدام هذه المفردة في عنونة الاتفاق حول الزواج بأنه عقد نكاح أمرا شنيعا ومقززا للنفس ؟ ما هي دلالات ذلك الاصرار على استعمال المفردة من قبل الاخوان , المنصاعين للنقل والمتنكرين للاخلاق والعقل , فلطالما تم استخدام هذه المفردات قديما , يجب استخدامها حديثا , هذه هي روح استحضار الماضي التعيس ليكون مرشدا للحاضر والمستقبل , هذه هي روح الماضوية والتأخرية التي فعلت فعلتها القاتلة في مجتمعات المؤمنين , هل يعقل اضفاء الشرعية على بدل الوطء مثلا , وهل يعقل أن يكون قبض بدل وطئها بواسطة وليها الشرعي لكي يصبح زواجها شرعيا ؟؟؟وهل يعقل ان تتقبل الشرعية السورية صداما مع المنظومة القانونية الدولة , التي لاتسمح بامتهان كرامة المرأة واحتقار وجودها وانسانيتها بسبب الشغف المرضي بالحفاظ على مفهوم النكاح والوطء , علما بأن سوريا عضوا في المنظومة القانونية الدولية .
أكثر من 300 مادة من مواد قانون الأحوال الشخصية البالغ عددها 665 مادة , تحط من قدر المرأة وتؤكد سيادة الرجل عليها , فللرجل حق اللعان وحق نفي النسب عن الأطفال وله حق العضل اي الضرب وحق الايلاء وحق الظهار , وبغض النظر عن علاقة هذه الحقوق بالدين , فهذه المسماة “حقوق ” تلغي انسانية المرأة والطفل ايضا , وتجعل منهم متلقين لأفعال الرجل وقراراته , وما على المرأة سوى الاستسلام والقبول بمقايضة العلف مع الوطء ومع الاذلال لكونها أصبحت “ضرة” كزوجة ثانية أو ثالثة أو ماطاب لكم وما ملكت ايمانكم , يمثل كل ماذكر باختصار شديد شرعنة تعهير أهم مؤسسات المجتمع.
المسألة ثقافية اجتماعية تراثية لا تقتصر على الفشل في الابتعاد عن مفردة سقيمة بمدلولات حيوانية كالنكاح والوطء , وانما تشمل كل نواحي الحياة ,فحياة امة المؤمنين تتصف بشكل عام ببنيتها الثابتة الجامدة والغير قادرة على التغير والتطور , والمجتمع المحلي التقليدي الأبوي, الذي فشل لحد الآن ( هناك اشاعات عن تفكير البعض بتغيير بعض الصياغات في قانون الشخصية) في ايجاد ماهو أجمل وأليق من مفردة “نكاح” ومفردة “وطء” , مجتمع من هذا النوع الشللي هو مجتمع “ساكن راكد” ,وبالتالي ثقافة مجتمع من هذا النوع هي ثقافة سكونية معتدة بنفسها نرجسيا ورافضة للثقافات الأخرى عنصريا ,فلولا الشعور بتفوق مفهوم النكاح في تعريف الزواج على المفاهيم الأخرى , لما كان هناك ذلك الاصرار على استخدام المفردة من قبل الجهات المحافظة الأصولية كالاخونج , المفردة التافهة الحيوانية وغيرها تحولوا الى نوع من الانتربولوجيا الثقافية , الى كينونة شبه عضوية بميزة أساسية هي الخضوع الى السكون وانتفاء التطور , الذي ان وجد كان تطورا بمنتهى البطئ والتردد , تطورمشلول متنكر مبدئيا للمتغيرات ومتجاهل لوجودها .
يعود التخلف الذي يتمظهر حتى في التمسكك باستخدام مفردة اشكالية الى عاملين , الأول اللاعقلانية والثاني العجز , اللاعقلانية تعني عدم المقدرة على التدبير , والعجز يعني عدم المقدرة على الوصول الى الهدف , أحد المشاكل الأساسية تكمن في مقدرة الناس على التعايش مع التخلف كما يتعايش المخلوق البشري مع ظاهرة الموت الأخلاقي وحتى العضوي , الزهد يهمن على الأرض , والطمع في الانفلات على النساء والحوريات يهيمن في جنان السماء .
يعود التخلف, الذي يتعايش الفرد معه ويعيش به بطوعية مثيرة للدهشة في مجتمعات خير أمة الى منظومة المجتمع الأبوي وحجره الأساسي المتمثل باستعباد المرأة واستبعادها ونفي وجودها الاجتماعي , الذي يأخذ أحيانا شكل الاعدام الاجتماعي , المجتمع الأبوي هو مجتمع ذكوري مسكون بالتسلطية والوصاية ثم التعنت الرافض للنقد والمصر على السيطرة على المرأة واستهلاكها حيوانيا , انها المهدئ لغريزة النكاح والمشبع لهذه الغريزة , العقد هو عقد نكاح , فماهي قيمة هذا العقد عند تعثر النكاح لسبب ما بين المرأة والرجل ؟.
من لايقتدر على تحديث وانسنة مفردة , لايقتدر على تحديث أنسنة ماهو أهم منها , هناك عنانة تطورية وبالتالي عدم المقدرة على خلق وعي جماعي شعبي تجاه الدين والسياسة والظلم والمرأة ..الخ , انعدام وجود وعي جماعي انساني أبقى النظرة للمرأة في اطارها الاستهلاكي النكاحي القديم , وأجهض امكانية نجاح الأنسنة وهيمنة الأنسنة على الوجود الاجتماعي , مما قارب المخلوق البشري في هذه المنطقة مع المخلوق الحيواني .
يتوقف مصير المجتمعات التقليدية الأبوية على مقدرة هذه المجتمعات في التغلب على صيغتها الأبوية واستبدالها بصيغة حديثة تتجلى بالاعتراف نظريا وعمليا بوجود المرأة اجتماعيا , وبالابتعاد عن عقلية المجتمع الذكوري المسكون بالذهنية الأبوية , والمهووس في ممارسة التسلط ,هوس ينتقل من الأسرة الى الحارة الى البلدة ثم المدينة وبانهاية يشمل كل المجتمع ,المجتمع المهووس بالذهنية الأبوية هو مجتمع لايقبل النقد ولا يمارسه , لذلك من الصعب انسنته, خاصة لأنه مبتلي بذهنية الاملاء والفرض المقدس ,
