ممدوح بيطار , جورج بنا :
يعرف عن المجتمعات العربية محاولة اعادة بناء نفسها وصنع مستقبلها على النمط الغربي بأبعاده الليبيرالية والتنويرية ,الا أن هذه المحاولة فشلت للعديد من الأسباب, لقد تراجعت المفاهيم القومية واليسارية وفشلت الحداثة والتحديث ,وللفشل آبائه وأمهاته المتمثلة بتطور المؤمن , من المحمدي المؤمن , الذي يتعامل مع هويته الدينية بشكل شخصي , ويتصرف كمواطن وليس كمؤمن يعيش في دولة وليس في الخلافة , الى ذاك النموذج ” الاخونجي ” الذي يتصرف بهويته كمظومة جماعية لها مشروع جماعي شمولي يسعى الى احتلال السلطة وبالتالي الى تطبيق الشريعة في اطار دولة دينية ضدية للدولة المدنية,وبالتالي محاربة هذه الدولة المدنية والسعي الى افشالها وتدميرها .
لافرق بين مذهب محمدي وآخر , وليس بالامكان تطبيق نظام الاخوان الاصولي الا بنموذج داعش وأشباهها كنموذج الوالي الفقيه , فمن يريد الدولة الدينية هو داعشي سواء شتم داعش أو امتدحها , أسس هذه الدولة معروفة وبينة , وداعش برهنت عن كل ذلك وشرحته وأوضحته , فالحياة المؤسلمة تتضمن الغاء الآخر , اما بتصفيته أو وضعه في مستوى دوني , ثم احتقار الحياة لصالح الآخرة , الذي يتضمن تدمير الذات واحتكار صناعة الموت , احتقار الحياة الدنيا يستقيم مع تخريب معالم هذه الحياة من عمران وحضارة مادية , لاتختلف المحمدية عن غيرها من الاتجاهات التوحيدية ,التي تمثل كل شيئ ما عدى الوحدة , فالتوحيديون لايعرفون أكثر من الصراعات حول الرمزيات والنصوص , انهم لايتقبلون بعضهم البعض ولا يتقبلون غيرهم , جوهر وحدتهم هو رفض التنوير وبالتالي فشل النهضة ,متحدون في السعي لتحقيق كل معالم الدونية التأخرية , ومتفرقون في السعي لتحقيق ادنى مستويات التقدم والحرية .
بشكل عام يمكن اعتبارالمؤمنين صنفان , داعية يكفر ويهدد , وجهادي يحاكم ويقتل تطبيقا لارشادات الداعية , وقد يجتمع الصنفان في شخص واحد, لذلك فانه من الصعب فصل الداعية عن الجهادي , اذ سرعان مايتحول الشكل الأول الى الثاني ,هناك صنف ثالث هو الوسطية , الا أنه من الصعب جدا تعريف الوسطية في الدين , لعدم وجود نمطا وسطيا ثابتا ,نموذج يتصف بممارسة المساواة والسلمية والديموقراطية , لا وجود لمؤمن ملتزم بأصوله الدينية وهو معتدل في فهمه للحقيقة , لا اعتدال في فهم الحقيقة عندما تكون مطلقة , لا اعتدال في ضرورة نشر الدين ,ولا اعتدال في أساليب نشر الدين , التي كانت وبقيت تعتمد على القوة, التي لايمكها الدين ولا يملكها اتباعه .
الاعتدال عليل ومن الصعب تعريفه وبالتالي التعرف عليه عند أرباب المدعين للوسطية كالقرضاوي , فما هو المعتدل عند القلرضاوي ؟ الذي تذبذب بين داعية وبين جهادي, ظاهرة الاعتدل افتراضية ,اسم بدون مضمون ثابت , اسم مستعار للداعية وللجهادي في آن واحد وحسب الظروف التي تمليها ضرورة التنافق,
تعود عدم امكانية انتاج وسطية أو اعتدال الى عوامل عدة منها ايمان المؤمن بأن عقيدته هي الأفضل , وبأن دينه هو الدين الصحيح , الذي نطق بالحقيقة الأولى والأخيرة , والذي لامهمة له عمليا الا انتاج العكس من ذلك, ثم ان الشريعة تقدم الحلول لكل المعضلات, فالدين هو الحل, كتاب الصفحات الستمئة يحتضن العلم حول كل شيئ , مهمة الاعجاز السطو على نتائج العلم والادعاء بكونها متواجدة في النصوص , التي سبقت نيوتن في اختراع الكهرباء , ثم اعتقاد المؤمن بأنتمائه الى خير أمة , مما يزوده بقدر مميت من الغرور والفوقية ,ثم الايمان بوجود الأحكام والقواعد الصالحة لكل زمان ومكان في النصوص, وبذلك التباس الدواء مع الداء على المؤمنين , فما كان في سياق تاريخي دواء تحول الى داء في سياق تاريخي آخرمختلف .
لقد فشل القرضاوي وغيره في انتاج وسطية قابلة للتعريف والفهم والتطبيق , وبالتالي انتفت الفائدة من هذه الوسطية الساذجة التافهة , التي ترفض على سبيل المثال تهنئة الغير في اعيادهم , فهل هناك من حل قد يمكن تسميته اعتدال وبالتالي وسطية ممكنة التطبيق وقادرة على الافادة والاستفادة منها؟؟؟؟
يتطلب مفهوم الاعتدال نوعا من التعديل , ليس في النصوص وانما في الممارسات , لم تغير أوروبا الكتاب المقدس , انما أسست لمانسميه المسيحية الاسمية , وعلى هذا النسق يمكن التحدث عن محمدية اسمية ( light),محمدية يمارسها عمدة لندن وعمدة أمستردام والعديد من المؤمنين في أوروبا وفي المشرق وفي كل انحاء العالم ,محمدية تحول العلاقة بين الدين والشخص الى علاقة اسمية يقتصر مضمونها على الحد الأدنى من الدين والحد الأقصى من القناعات الشخصية والقناعات الموضوعية , الانتماء للدين لايعني هنا أكثر ممارسات شكلية لبعض جوانب الحياة كالتعبد مثلا , فالدين الذي لايتقبل ممارسة شكلية في هذا العصر سيتحول الى اشكالية العصر, لايمكن للدين أن يتحول الى ” شكلية ” الا في نظام علماني , يمكن عن طريقه حل اشكالية الدين وبالتالي تمكين الدين من الاستمرار في الوجود كدين اسمي !!
