ممدوح بيطار ,ربا منصور :
نحن بشر اي نحن الانسان المؤنسن , والانسان المؤنسن يريد انسنة كل من حوله لكي يعمل ويتفاعل معه , الدين يتموضع داخل الانسان وحوله , لذلك يجب أنسنة الدين ايضا , وذلك لكي يتم التفاعل والتعامل البناء مع هذا الدين , عدم قبول الدين لبرنامج الأنسنة , يعني وقوع الدين في مطب الخلاف والمواجهة وحتى الحرب مع الانسان,هنا يمكن أن تكون النتيجة هيمنة الدين على الانسان , اي خلق الجنس الديني كبديل عن الجنس الأنساني.
لذا يجب انسنة الدين من أجله ومن أجل الانسان, فأنسنة الدين هي الضامن الوحيد لتمكين الدين من البقاء والعيش بين البشر , اذ أنه من الصعب أن يعيش الدين المتوحش مع الانسان المؤنسن بتفاهم وتلاؤم وانسجام , الا اذا تمكن الدين من تطوير نفسه باتجاه الأنسنة , عندها تصبح حياته بين البشر مرحبا بها ومقبولة ,هدف العلمانية الداعية الى أنسنة الدين كان ولا يزال احتواء الدين وليس الغائه , لأنه لطالما هناك جهل نسبي أو مطلق سيبقى هناك من يمثل هذا الجهل, والدين مرشح بجدارة للعيش والتناسل في مستنقع الجهل الممثل لبيئته المثالية .
للأسف لانجد عند الدين عموما ما يكفي من تواضع وتفهم وادراك للانسجام مع الشروط التي ذكرت , والتي تلخص بعبارة “أنسنة الدين ” , فالذهنية الدينية التقليدية تستصعب ادراك ذلك , لكونها لاتؤمن بأنه لها دور ومهمة محددة , انما تريد تمثيل الوجود بكامله , ثم أن الدين مشبع بروح العداء للغير ورفض الغير , اضافة الى اشباعىه بروح العنف والتنكر للمساواة , اذ لامساواة بين المؤمن ومن يعتبره الدين كافر , ومن ناحية الحكمة فقد كانت ولا تزال محتكرة من قبل الدين واله الدين , الذي يدعي معرفة مصلحة الانسان أكثر من معرفة الانسان لمصلحته , لما ذكر من أسباب وغيرها هناك حقيقة نوعا من المواجهة بين الدين والانسان , أو بالأحرى بين الانسان ورجال الدين , فالدين هو برجاله وأتباعه , ولا وجود للدين بدون رجال دين واتباع.
يستصعب الدين التخلي عن اعتبار الانسان هامشي , فالمركزية المتمثلة بالخالق هي أساس الوجود , لأن اله الدين الواحد الأحد هو خالق السماء والأرض ومن عليها , وعلى تلك المخلوقات عبادة خالقها ,ولكن هناك في ديباجة الخالق مفارقة كبيرة , جوهر المفارقة كان عدم اعتراف الأنسان بوجود اله واحد أحد , وبعدم وجاهة عبادة اله يدعي التحكم بكل شيئ , وهو حقيقة لايتحكم بشيئ , يطلب منه من قبل رجاله وأتباعه أن ينصرهم , ولكنه عز وجل يخذلهم في كل مناسبة , يطلب منه ان يرسل لهم الرزقة , فيرسل لهم الجوع , يطلب منه أن يكون معهم فيبتعد عنهم, بكلمة مختصرة العلاقة بين الخالق وقطيعه ادعائية توهمية مشوهة من أولها الى آخرها .
من عواقب مركزية الخالق واحتكاره لمعرفة مصلحة الانسان, وكون الانسان هامشي ,هناك اضافة الى ذلك خللا في نظرة الدين وخالقه الى العقل , الذي عليه ان يؤمن تسليما بدون أن يسأل , هنا يقع الخالق في مطب التناقض, الذي دفع ابن رشد للتعجب من هذا الخالق السماوي , لذا سال ابن رشد هل يعقل أن يخلق الله لنا عقولا ثم يعطينا شرائع وتوجيهات تخالف هذه العقول ؟, يخلق عقلا ثم يكبل هذا العقل بالأغلال , يخلق عقلا ثم يححد صلاحياته بحدود الآية , الصالحة لكل زمان ومكان , الزمان والمكان متغير بينما الآية ثابتة لا تتغير ولا أمل في انسجام المتحول مع الثابت , بهذا الخلل حفر الخالق قبره بيده .
هناك مفارقة أخرى بخصوص الخادم والمخدوم , اذ لايرى المخلوق المؤنسن اي جدوى او فائدة من خدمة شيئ اعتباري لايراه ولا يلمسه لقاء مكافأة اعتبارية لايراها ولا يلمسها , ولم يخبره شاهد عدول عنها , حالة تشبه بيع السمك في البحر , فالانسان هو الغاية والهدف, ولم نر ان الخالق السماوي أوجد الدين من أجل خدمة الانسان , فالدين الذي يفقر الانسان لايخدمه , والدين الذي يؤخر الانسان لايقدمه , والدين الذي يخدم الله لايخدم الانسان ,ثم كيف لنا أن نموت في سبيل الله عندما لايموت الله في سبيلنا !, ولماذا علينا الدفاع عن حقوق الله , وهل يدافع الله عن حقوقنا ؟ , ومن سلب حقوق الله ؟ فالله في جبروته لايسلب ولا يسرق ولا يضرب ولا يعاقب ,اعتراف الدين بوجود من سلب حقوق الله , هو اعتراف بعدم مقدرة الله على فعل مايشاء مثلا حماية نفسه على الأقل , وهو تبعا لذلك ليس القادر على فعل اي شيئ , انه “مدعي ” ومتعنتر كالحكام العرب وقطعانهم , اله صوتي ناهق وامة صوتية ناعقة!.
عندما لايتمكن الخالق من الدفاع عن حقوقه لايتمكن من الدفاع عن حقوق غيره , لذلك يعمل المؤمنون بدعائهم وأفعالهم على نصرته , ونصرته تحولت الى واجبات وفروض على البشر , بالمقابل ليس لدينا علم بأن السماوي أرسل رغيفا من الخبز لجائع , من يرسل الخبز هم الكفرة, ومن يمول مخيمات اللجوء هم الكفرة , لايستقبل الله لاجئين احياء في سمواته , ولا وجود لحقوق الانسان المبنية على الهوية الانسانية في دينه, هناك في الدين ظلال لحقوقه وملحقات انعكاسية لها, وما يحق له لايحق للانسان حتى بجوهره الديني ناهيكم عن جوهره الانساني , هناك فرق بين حقوق “المؤمن “وبين حقوق “الانسان ” , بالمختصر هناك بعض المكرمات الاعتبارية , التي لاتراعي كرامة الانسان , الذي يتسول لدى الكفرة وينال منهم الكثير ولكنه لاينال من الخالق ما يستحق الذكر , لاحقوق للكافر عند الخالق , ولكن للكافر حقوق عند الأوروبيين وغيرهم , هؤلاء لايطالبون اللاجئين المتسولين بعبادتم ,ولا حتى بتقديم الشكر لهم , تفوق الانسان على الخالق ليس بالأمر الجديد , لذلك رأى نيتشه ضرورة قتله , اذ لافائدة منه, انه ضرر مطلق.
يصر الخالق على تنظيم اتباعه بشكل عصابات تقوم على وحدة عقيدة العبادة كالولاء والبراء وليس على الوحدة الانسانية , اخوة في العقيدة واعداء في الانسانية ,ثم تقسيم البشر الى مجموعات بهوية عليا ومجموعات بهوية دنيا , ومن الواجب ابادة المجموعات الدنيا .. لذا قيل ” أمرت أن اقاتل المشركين …”الخ , لقد تم خلق الهوية العنصرية الدينية التكفيرية , التي تحولت الى خطر كبير على الانسانية ,عنصرية دينية تكفيرية بمثابة اعلان حرب على الآخر , وهكذا وجد المؤمنون ضرورة احتلال ربع الكرة الأرضية تقريبا قبل ١٤٠٠ سنة, ترافق هذا الاحتلال الذي سمي فتحا تملكيا مع مئات المجازر ومع اعتبار ارض وممتلكات الآخرين غنائم حرب مقدسة , على المؤمنين التمتع بها حلالا زلالا !هذا هو الخالق جل وعلا وعلى البشرية عبادته , لم نصاب بالجنون لنفعل ذلك !!!
