ممدوح بيطار, جورج بنا :
تكمن أهمية وقيمة اللغة في حمولتها , وفي نوعية هذه الحمولة ,وليس في شكلها او قواعدها او عدد مفرداتها , عمليا لاوجود للغة سيئة بشكها المجرد والتفاهم بين الناس ممكن بكل اللغات , ولاعلاقة لتطور اللغة بالذات اللغوي , انما بالحمولة , اللغة بحمولتها كالجمل بما حمل , وليس العكس .
ولنفكر بأتاتورك وسياساته , الذي حاول انقاذ تركيا عن طريق سد أو اغلاق الطريق أمام اللغة العربية , فحمولتها حسب رأيه كانت موبوءة بالخرافات والتصورات المدمرة , مثل العنف والغرور والقتال والجهاد والفتح وغنائم الحرب وتعدد الزوجات ,ثم امور القدح والمدح التراثية وغير ذلك , مثل نشاطات شعراء البلاط , ثم نشر قيم الثأر والعين بالعين والأنف بالأنف, ومفاهيم الغزالي وابن تيمية وحكايات السبابا والجواري والمختطفات الخ , لم تكن خطوة أتاتورك موجهة ضد اللغة العربية , انما ضد المضامين والقيم التي تحملها وتنقلها وتنشرها هذه اللغة .
لم تقتصر جهود اتاتورك على موضوع اللغة , لقد كانت له توجهات اضافية , اتى بها أتاتورك من الغرب مثل العلمانية ومنع تعدد الزوجات وغير ذلك , بالنتيجة تمايزت تركيا في العقود التالية عن عرب الشرق الأوسط بالعديد من الميزات الايجابية , التي لم يتمكن حزب العدالة والتنمية من الغائها او ابطال مفاعيلها بالشكل الذي اراده اردوغان لحد الآن ,
لايمكن نكران نجاحات أتاتورك بخصوص تكريس الحداثة التركية , وبالمقابل لايمكن نكران تطورات عكسية في الدول والمجتمعات التي اعتمدت التعريب , وما رافق اعتماد التعريب من نقل لثراث مريض ومصاب بوباء الارهاب والأصولية والتأخرية ثم القطعية والقدرية , ولنا في تطورات سوريا والجزائر بخصوص التعريب خير مثال على التعريب الذي سهل نقل التوحش التراثي للناس وبالتالي تسيد التوحش .
ففي الجزائر وبداية سبعينات القرن الماضي , بدأ الخراب والعنف بالزحف الى بنية المجتمع الجزائري , استقدم الرئيس بو مدين من أجل التعريب آلاف المعلمين من بقية الدول العربية , وهؤلاء جلبوا معهم جميع أمراض التراث , على الأخص فكر سيد قطب الاخواني السلفي , اضافة الى ذلك حمل التعريب ثقافات منحطة كثقافة الخلافة وثقافة الغزالي وابن تيمية وعبد الوهاب والأشعري والشعراوي وغيرهم , ترافق ذلك مع الابتعاد عن الثقافة الأوروبية والعالمية المتمثلة بكانت وهيوم وغوته وهيجل وديكارت والآلاف غيرهم من الذين أسسو للحضارة الغربية الحالية , نتيجة للانخراط في العربية واعتماد حمولتها في المجال الثقافي العام , تدنى المستوى الثقافي في هذه المنطقة من هيجل واسبينوزا وكانت وروسو وغيرهم الى مستوى الشعراوي وحفيده عبد الله رشدي ثم سيد قطب ومحمد عمارة وأمثالهم .
لم تمض سنوات على التعريب في الجزائر , الذي نقل ثقافة الجهاد وخير امة والفتوحات والحروب والسيوف والتكفير الخ , حتى انفجر الوضع بشكل حرب اهلية دامت على الأقل عشر سنوات وقتلت مئات الألوف من الجزائريين , وبها تمت ممارسة المجازر التكفيرية , التي اعترفت جبهة الانقاذ بالقيام بها , والتي لاتختلف من حيث الخلفية الفكرية ومن حيث الدوافع والأساليب عن المجازر التي ارتكبت في سوريا على يد داعش وشركاء داعش .
أحد أسباب هذه التطورات المؤلة كان تسلل ثقافة العنف عبر الحامل اللغوي الى مجتمعات هذه المنطقة , لم تكن للمئات من الفضائيات من مهمة سوى الترويج للعنف وللجهاد , من جهة أخرى لم يتأثر الأندونيسي أو الماليزي وغيرهم بما يروج له وجدي غنيم او الشعراوي او رشدي او غيرهم , لأن هذه الشعوب لاتفهم العربية , وبالتالي بقيت هذه الشعوب بمنأى عن مفاهيم الجهاد والعنف والحروب , كل ذلك يعني على أنه يجب التعامل مع العربية ليس كلغة بشكل مجرد ,انما كناقل لقيم مرفوضة وخطرة على السلم الداخلي , الذي دمرته تلك القيم واستبدلته بالحروب التي قضت على الأخضر واليابس .
اللغة جيدة عندما تنقل الجيد , اللغة سيئة عندما تنقل السيئ , لم تنقل هذه اللغة الجيد بخصوص حياة الناس مع بعضهم البعض داخليا , وحياتهم مع غيرهم خارجيا , سبب ذلك كانت القيم التي نقلتها اللغة , كالفكر الجهادي ورفض الغير والحرص على عدم التلوث بالحضارات الأخرى وغير ذلك ,من يريد وأد العنف والارهاب والجهاد عليه الابتعاد على حامله وناقله والمروج له.
الاشكالية كبيرة ,ولا نعرف حلا او علاجا شافيا لها , يمكن القول على الأقل , ان التوجه لمصادر الثقافة العالمية قد يساهم في الحل , وقد يساهم في الحل اعتماد اللهجات المحلية , لاشك في أهمية المدارس خاصة مناهج هذه المدارس في الحل , لايمثل الامعان في التعريب القيمي حلا , انما انحلالا وسقوطا في الانحطاط …
