سمير صادق,عثمان لي :
هيمن الشكل البارد للحرب على الشعب بدءا من عام 1963 او حتى عام 1970 , وتجلت هذه الحرب الباردة , التي تخللتها فترات ساخنة , بالعديد من المظاهر,منها التضييق على العمل السياسي الى درجة الغائه , السجون أصبحت مليئة والتعذيب أصبح مستمرا كالقسر والقهر , بالنتيجة كان الهروب الى المهاجر , حتى أن الارغام على السير في المسيرات الهزلية كان نوعا من الحرب على الشعب , تحويل الشعب الى قطيع ملفق مصفق والى رعية بدوية , ثم التكاذب والخداع الخ ,كل ماذكر يمكن وضعه في مصنف الحرب الباردة , التي استمرت حتى عام 2011 , بعدها أصبحت ساخنة جدا .
بالرغم من الحرب الباردة على الشعب , لم يكن هناك ارتكاس معارض يتناسب مع فداحة ممارسات السلطة , كانت هنا وهناك بعض التذمرات والاعتراضات, التي حيدتها السلطة بطرق مختلفة , مثل اعطاء بعض الامتيازات للبعض , أو استخدام الساطور على رقاب الآخرين , بشكل عام كان رفض الأسدية وممارساتها بؤري , ولم يتخذ شكلا جماعيا فعالا , وحتى بعد عام 2011 لم يكن الرد بمستوى الحدث , كان ضعيفا وغير منظما , بحيث تمكنت الفصائل الجهادية من القضاء عليه بفترة قياسية في قصرها , لقد كان لاسم “ثورة ” علاقة مع نضوج الوضع لثورة , وليس مع كثافة وفاعلية الفعل المسمى ثوري, حقيقة لم تكن هناك ثورة بالمعنى الكلاسيكي لهذه المفردة .
انقسم الشعب تبعا لهذه الحروب الى زبانية مستفيدة ماديا وممارسة للتلفيق والتصفيق , والى غير المستفيدين الممارسين للسلبية وأحيانا السخرية داخل أربعة جدران , حتى الكلام ضمن الجدران الأربعة لم يكن آمنا , فللجدران آذان , وهكذا أتحفت الأسدية اللغة العربية بتعبير لم يكن معروفا “للجدران آذان” , اختراع لغوي فريد من نوعه لتوصيف حالة فريدة من نوعها , لقد كانت ولا تزال سلطة منغلقة على ذاتها وفريدة من نوعها , تحكمت بالشعب ببربرية فريدة من نوعها , ارتكاس الشعب خلال تلك الفترة قبل وبعد 2011 كان أيضا فريدا من نوعه , وعلى مسلكية الظالم والمظلوم هيمنت الثقافة البدوية من خنوع واخضاع الرعية , رعايا ثم زعامة وعنف ثم توريث وغنائم حرب …الخ.
بالرغم من احتضان المذاهب الدينية المحمدية لأطراف الحرب السورية ظاهريا , لايمكن القول بأن الصراع كان مذهبي أصلا , ففي بلاد ذات طبيعة سلطوية مشابهة كليبيا مثلا ,لاوجود لتناقضات مذهبية , هناك ظهر الحاضن الحقيقي لأطراف الحرب بشكل واضح وجلي , هذا الحاضن كان القبلية العشائرية المنحدرة من البدوية , يبدو وكأن الصراع في سوريا كان مذهبي شكلا , الا أنه كان في حقيقة الأمركان بدوي قبائلي عشائري مقنع بقناع مذهبي .
لاتمثل البنية المذهبية قاسما مشتركا بين سوريا وليبيا , الا أن القاسم المشترك الواضح والرئيسي كان في الوضع الاجتماعي الاقتصادي , الذي تمثل ببنية الاستبداد البدوية وبنية الخنوع البدوية , التي وجدت في الأسدية استمرارا لها , فالأسدية ظاهرة بدوية وليست سببا للبدوية , تتجلى بدوية الأسدية بالعديد من التمظهرات , منها العنف , ومنها ممارسة ثقافة غنائم الحرب , فتحويل سوريا الى مزرعة خاصة , هو بمثابة اعتبار سوريا غنيمة حرب , يمثل تحويل الجمهورية الى ملكية وراثية أحد تمظرات ” التبدون ” الذي نجح في سوريا وفشل في ليبيا والعراق , هناك تمظهرا بدويا اضافيا ألا وهو عدم وجود احتجاجا واسع النطاق طوال نصف قرن في كلا الدولتين, وذلك بالرغم من وصول حالة التردي والاحتقان درجة صعبة التصور , الأمر كان مشابها لعصرالسلطنة العثمانية والخلافة العربية , فالاستعمار العثماني كان في ضراوته وهمجيته فريدا من نوعه , وعلى شاكلته كان الاستعمار الخلافي القريشي , بالرغم من ذلك لم تعرف القرون الأربع عشر أي ثورة شعبية لتغيير النظم , وانما حروب شخصية هدفها ازالة رأس ووضع رأسا آخر مكانه!.
حسب ادبيات الفعل الثوري , يمكن القول بوجود ثورات بيضاء وثورات حمراء وثورات ثقافية واقتصادية الخ ,والفعل المسمى ثوري سوري , الذي تمتد جذوره الى عام 1963 أو عام 1970, اتخذ بعض الأشكال , فطوال العديد من العقود تجلى الفعل الثوري بشكل فكري ,لقد عبر السوريون عن رفضهم للديكتاتورية بكتابات خائفة وخجولة ,لقد كان هناك وافرا من نزلاء السجون , ووافرا من الذين لاقوا حتفهم في السجون تحت التعذيب , والسلطة لم تتوقف طوال عقود عديدة عن ممارسة القسر والقهر للشعب ,كما فعلت خلافة قريش وسلطنة آل عثمان.
النتيجة كانت فرار قسم من السوريين الى المهاجر ,وبقاء العديد منهم من المواطنين في المحاجر ,يقال ان عدد السوريين في المهاجر يساوي عددهم داخل سوريا ,ومظم السوريون في الداخل والخارج لم يكونوا راضون عن معظم ممارسات السلطة, بالنتيجة تفاقمت النقمة وازدادت سلبية المواطن ,الذي أرغم على السير في مسيرات المهازل ,الشعب تحول الى قطيع ,مثل قطعان تلاميذ المدارس ,وقطعان الموظفين , والعمال وغيرهم, كان عليهم جميعا تحت طائلة العقوبة الانضمام الى مسيرات التلفيق والتصفيق, الكذب أصبح منهجا والرياء عقيدة , والرئيس المتأخر عقليا قلب الرياء الى حقيقة, وظن على أنه محبوب ومعبود كالله , يعبد نفسه كما يعبده المرائي , القائد كان نرجسي مريض !
لم تكن الشعبية الأسدية يوما ما تلقائية وطوعية خيارية ,انما انتهازية ريعية , واجب الجميع كان التصفيق والرياء, والغير مستفيد مارس احيانا السلبية , داخل الغرف وجدرانها الأربعة كان بامكان البعض ممارسة السخرية من القائد ومن منهجية الهمج التي يمارسها , فللجدران آذان !!! ,لايعرف التاريخ سلطة منغلقة على ذاتها حكمت بلادا عقود عديدة بعنف لامثيل له وانحطاط غير مسبوق .
لقد استهلكت هذه الحرب بشطريها البارد والساخن كل امكانيات الاتفاق على حالة تمكن الشعب من أن يحكم نفسه بنفسه , الأسد يريدها ديكتاتورية مطلقة , ولم يترك وسيلة منحطة الا واستخدمها من أجل مطلقية استبداده للشعب , ذبح وقتل وشرد وهجر وأسس الشبيحة وجاء بحزب الله وسلم البلاد الى لافروف والخامني وأهداهم الغاز والنفط قبل اكتشافه , اغتال وعذب وسجن وسرق وألغى الدساتير وورث في جمهورية وألغى العدالة الاجتماعية والسياسة واستحمر البشر وهدم بيوتهم على رؤوسهم وأدخل الطائفية واجبر ملايين السوريين على الهجرة واللجوء, حماية الأقليات تحولت الى الغاء بعضها ,لم يبق من اتباع الناصري سوى نسبة لاتستحق الذكر من حوالي ٢٪, والتي ستتحول ال صفر٪قبل عام ٢٠٣٠ , كانت هنك مجازر وسحب الجنسية السورية من مئات الألوف من الأكراد ثم حصارهم بالحزام العربي وبعد العربي أتى الحزام العلوي .
تمزق الجيش وأدخل في متاهة الحرب الأهلية وشطرالى قسم علوي وقسم منشق , ثم كان هناك اجرام استعمار لبنان وسرقته ,والاتجار بقضية فلسطين بالممانعة والمقاومة ووحدة الساحات وأقامة المحاور المذهبية ,ثم عزلة البلاد وافقار المواطن والتجويع وتسميم اليشر بالغازات ,ولاتتسع الصفحات لما يمكن ذكره حول موضوع انقراض الدولة السورية وتحول سوريا الى انقاض بشعة وقبيحة مقارنة مع معالم حضارة سورية جميلة ورائعة واقدم من ١٤٠٠ سنة , ففي تلك القرون الأريعة عشر الأخيرة لم يبن شيئ باستثناء كراخانات الخلفاء والسلاطين ثم الفتك بالبشر وممارسات بموجب العهدة العمرية , التي لايعرف التاريخ البشري انذل وأحط منها ,تأملوا رعاكم الله الى اين وصلت بلاد الحرف والمحراث في ظل حكام لايختلف الجديد منهم عن القديم , وهل يختلف التشبيح عن غنائم الحرب ؟
