جورج بنا ,ميرا البيطار :
بغض النظر عمّا كانت تعانيه البنى الاقتصادية قبل الأزمة في سوريا من إشكاليات, فالصراع الداخلي والخارجي ترك آثارا كارثية على كل القطاعات الشعبية لدرجة تهديد الأمن الغذائي تهديدا حقيقيا , الناس بصحيح العبارة جياع , حتى انهم يموتون جوعا .
لم يسقط الجوع من السماء, انما صنع على الأرض على يد سياسيات فاسدة منها النهب والسرقة والعيش فوق القانون لحوالي ٣٪ من الناس , الذين شكلوا مايسمى الاقطاع الرأسمالي, بينما يختنق ٩٧٪من السوريين جوعا وعطشا وظلاما , لا ماء ولا كهرباء ولا غذاء ولا دواء ولا امكانية للشكوى او التذمر او الاشارة الى مواطن الخلل, فمن يفعل ذلك نصيبه الاعتقال والسجن والتعذيب والموت المؤكد تحت التعذيب , كل ذلك موثق باسماء الضحايا وصورهم , التي هرب بها المصور قيصر الى الغرب .
كان للازمة ارتفاع الأسعار الجنوني , وانهيار قيمة العملة المحلية تأثيرا كبيرا على العلاقات الاجتماعية , التي اصيب بالسلبية والشلل والعدائية والحسد, لم يموت الناس جوعا فقط , انما تطور الحاضن الاجتماعي أي العلاقات الاجتماعية الى مايمكن تسميته “الجفاء والقطيعة الاجتماعية “, التي تترافق عادة مع رفض الغير ومع تنخر الصداقات والود الاجتماعي , حتى وصل الأمر الى تنخر علاقات القرابة , التي تمثل في الدول المتأخرة نوعا من الضمان الاجتماعي , لم يعد هناك شعب متكافل متضامن على المستوى الأدنى , بل أفرادا يحاولون نهبب بضهم البعض على المستوى الأعلى من اللاأخلاقية, مثلا تعفيش بعضهم البعض بقسوة وحقد لامثيل له , لايلام الجياع بسبب ممارسة السرقة , فالمعدة الفارغة تقود الى تفريغ الوجدان من الضمير , الجائع يسرق حتى ولو كان من صنف الملائكة.
ماذا يفعل الجائع المريض المعتر ؟, انه يمارس بسرقاته مايسمى العدالة الاجتماعية , المختلفة جدا عن مفهوم العدل القانوني ,الذي يعاقب السارق مهما كان الدافع لممارسة السرقة ,السارق الجائع بريئ من تهمة السرقة حسب مبدأ العدالة , لأنه مرغم على السرقة ,المجرم هو من ارغمه على ممارسة السرقة ,انها الدولة او النظام او القانون , الذي يجب محاكمته , لأنه تسبب في إجاعة الانسان الفرد ,اساليب الحكم هي المسؤولة بالدرجة الأولى عن كارثة الفرد, وعن تنكص اخلاقه الى شكل اخلاق السرقة .
لايمكن اعطاء ارقاما ونسبا عن التضخم وعن افلاس الدولة وعن تطور القيمة الشرائية للعملة الداخلية ,تتغير هذه الأرقام ليس كل يوم , انما كل ساعة, لم يعد للدولة مهمة تنظيمية , لأن الدولة بحد ذاتها جائعة ولا دخل لها سوى من سرقتها للمواطن , والكل يخضعون الآن الى قوانين السوق السوداء , اي ان الدولة لم تعد دولة انما لص بين العديد من اللصوص .
لاقيمة للعديد من الأرقام والنسب الخاصة بالانتاج او الدخل القومي , لأنه لاوجود لأنتاج يذكر ولا وجود لدخل قومي يذكر, والأهم من كل ذلك لاوجود لعلاج لهذه الحالة ,وما هي الفائدة من تشخيص المرض عندما لايوجد علاج له؟؟؟, لا وجود لعلاج لظاهرة التضخم الأسطورية , ولا وجود لعلاج للركود الاقتصادي ولا لمشكلة البطالة او مشكلة الفساد ,او علاج لضياع مصادر الدخل القومي مثل السياحة والبترول والصناعات النسيجية , وحتى الزراعة اندثرت في ارض الزراعة .
ثم كيف يمكن معالجة اشكاليات القطاع التعليمي,اذ من المتوقع ان تتدنى نسبة الالتحاق بالتعليم الأساسي الى ٥٠٪. ,وبالتالي ستعاني نسبة كبيرة من الأطفال دون ال ١٥ عام من العمر من الأمية , لا ابنية مدرسية بعد تهديم نصف الأبنية المدرسية في الحرب ولا مدرسات ومدرسين , عندما يتدنى الراتب الشهري الى أقل من ١٠ دولارات شهريا ,باختصار يمكن القول ان الحاضر مظلم والمستقبل سيكون أظلم , حتى ترحيل النظام فورا لن يأت بتطورات ايجابية فورية ,فالمشكلة لاتعلق فقط بالنظام السيئ , انما بالأنسان المواطن السيئ , والذي لم يتمكن من تطوير نفسه الى الانسان المواطن الجيد , لايصلح انسان القبيلة والأسرة والدين والطائفة لبناء الدولة , الدولة مفهوم معاكس لمفهوم العشيرة والطائفة والدين بشكل عام !
