العجز واللجوء الى الوهم ….

ميرا البيطار , جورج بنا :

 

كاريكاتير المؤامرة الخارجية      هناك ضدية بين المعرفة ومفهوم المؤامرة ,فكلما ازدادت المعرفة تناقصت فرص ظهور المؤامرة كمفسر للنكبات والكوارث , الا أنه لمفهوم المؤامرة جذور أخرى على قدر كبير من الأهمية , فمعظم مانراه ونلمسه ونعيشه ذو أساس أو خلفية دينية ,والمؤامرة ليست استثناء.

تعود   فرضية  المؤامرة الى  عدم إرجاع اسباب    الكوارث والتنكصات   إلى مكانها الصحيح, ورمى كل المسؤولية   على الآخر,   المؤامرة    لاتعالج  انما   تبرر  وتكرس    عقلية   الاستسلام وتشوش  على   الواقعية   وتفسيراتها ,  انها طريقة   تفكير   خاطئة   لأنها   تتنكر    للواقع والمنطق   , فالمؤامرة    هي   التي    دفعت   أهل    السويداء   الى   التظاهر والمتآمرون    يدفعون   كاش   للمتظاهر   الذكر   ٢٠   دولا   وللمتظاهر   الانثوي   ٣٠   دولا   ,    ذلك    يدعيه   بشار   برهوم   بكل   ثقة  ,  وكأنه    كان    متوجدا    مع   المتآمر   ومع    المأجور   , وكأنه    لاوجود   لأسباب    تدفع  الجائع    السوري  للاعنراض      على   الأوضاع الكارثية , اذا   كانت   جهود    المأجور    التظاهرية    قابلة   للشراء بعشرين   دولارا ,  فلماذا      لم  يدفع   برهوم     له ثلاثين    دولارا    ويحولوه  من   متظاهر   معارض   الى   متظاهر  مؤيد للقائد  .

حتى  في القرن السابع كان    الكثير من  الارتياب بخصوص  مؤأمرات   الكفرة على  الدين   الحنيف  ,  الأمر لم يتغير كثيرا في   القرن العشرن  والقرن الحادي والعشرين ,وذلك بفضل ثقافة “النقل” المتجذرة في النفوس,كما كان الماضي كذلك هو الحاضر , والمفردات المعبرة عن ذلك أكثر من أن تعد ,مثل    الهجمة  الصليبية , ومباركة   رجال   الدين للغزو  الروسي   لسوريا , وكأنه  لاوجود   لبوتين وتفكيره  الأمبراطوري  وغير   ذلك  ,الكفرة  مستمرون في التآمر, انهم بلاء هذه الأمة التي لم تفعل مايكفي لتجنبه , الأمة وقعت فريسة المؤامرة في الفتنة الكبرى والمؤامرة خلقت الانشقاق وخلقت الفصيل الشيعي , ولو اعترفت حقا بوجود المؤامرة فاني  لا أستطيع استيعاب كون هذه المؤامرة هي المسبب لكافة التعثرات العربية   , اذايقال أنه  لاوجود لأي تعثر كبر أم صغر الا وكانت المؤامرة ورائه ومسببة له.

تعميم السبب المؤامراتي على كل الأحداث حول هذا المفهوم , نظرا لابتعاده عن النظرية وولادته من رحم الفرضية , الى أسطورة أو حكاية تطلب الاعتقاد بها بدون تحليل أو تفسير أوماشابه, تولد الأساطير من رحم الأفتراضات,وكثرة الافتراضات هي دلالة على خلل وأزمة فكرية, فالانسان يقف في حالات عدة حائرا أمام تطورات وتغيرات لايقتدر على تفسيرها وفهمها ,وليس للانسان في هذه الحالة الا الاعتماد على مخيلته وتصوراته في افتراض المسبب , هنا لايجد الا شرحا يتلائم مع فكره الغيبي المشحون بالجن والشياطين والقوى الشريرية التي تعمل ليلا نهارا على استهداف الأمة واستهداف مقومها الأوحد الديني, كلهم يريدون القضاء على الدين الذي هو ركيزة ومصدر حياة  المؤمن !!!!!!!!.

  تطورت الاتهامات  لولبيا,  كلما كبرت المصيبة تلولبت الاتهامات لتشكل بعد دلك خليطا بعيدا جدا عن الموضوعية والواقعية ,دوامة من تصورات غيبية تصل الى درجة الهذيانات التي لايربطها بالواقع أي رابط , انها انتاج لأزمة التأقلم مع الواقع وفهمه والتفاعل معه ايجابيا, تعود أزمة التأقلم مع الواقع وفهمه الى الفكر ووسائل ممارسته , فالواقع متغير وغريب عن الأزمنة القديمة ,ووسائل التفكير ثم أسسه أيضا قديمة عتيقة , وبهذه الوسائل القديمة لايتمكن الفكر من التعامل مع ظواهر الحاضر المختلفة تماما عن ظواهر الماضي, هنا يقع الانسان في حالة العجز, حيث لايجد سبيلا الى الخروج من العجز الا عن طريق الوهم أي التصور والخيال , لذلك فاللجوء الى التصور ليس أمرا طوعيا انما قسريا وهو أولا وأخيرا جزء لايتجزأ من العجز .

   تغلغلت  نظرية المؤامرة   في دواخلنا , وطالت الدين والسياسة والتخلف و الكوارث والأوبئة لدرجة أصبح تحليل الأحدث  التي تدور   حولنا   يسير, وفق هذه الفرضية  فكل شيء يحدث في عالمنا نرده إلى جهات ومنظمات وحكومات وكأن العالم أجمع يجتمع ويتحالف ضدنا كى يهدمنا ويُخرب أوطاننا ومجتمعاتنا وعقولنا وضمائرنا وعقائدنا, وكأننا وصلنا إلى ذروة التقدم والعلم والمعرفة وبلغنا أفضل حياة ممكنة لذلك العالم من حولنا يحسدنا على ما نحن به , للأسف هذه عقلية السواد الأعظم من  شعوب تبحث  عن مبررات وعلل الفشل خارج ذاتها, ومن يكشف حقائق أخطائنا نحسبه من ضمن هؤلاء الذين يتآمرون علينا , نعم نقول لسنا كاملين ولنا أخطاء لكن يبقى مجرد قول وشعارات,فى الواقع لا نريد الإعتراف بحقائق الأمور و إيماننا بنظرية المؤامرة هو خير دليل على عدم قدرتنا للإقرار بزلاتنا .
لكن ما هي نظرية المؤامرة ؟ وماهى خطورتها؟
نظرية المؤامرة هي عدم إرجاع الأسباب إلى مكانها الصحيح ورمى كل الأعباء والأخطاء والكوارث على الآخر,انها  أصلا   لا تعالج الواقع كما هو بل تشوش على كل تفسير واقعى, انها   طريقة   خاطئة وباطلة  في  التفكير , طريقة تعمل على إنكار الواقع والحقيقة لعدم قدرتها التفسيرية الصحيحة ,لأن من شروط الفكر السليم  بهدف  ايجاد  الحلول تحليل الواقع  بحيادية علمية    عقلانية , تكشف على  علاقة  النتيجة   بأسباب   ملموسة  وليست  افتراضية.

ماهى مخاطرفرضية  المؤامرة ؟
يقود   التنكر للحقيقة في ثقافة  المؤامرة اي  التنكر   للعلاقة   بين   المشكلة  ومسبباتها   الحقيقية الى   الفشل  وعدم   التمكن  من   الاصلاح  والتقدم وبالتالي    الحاق   الضرر  بالواقع,  الذي يصبح  بائسا  جامدا  ومستقرا   في  حالة   التردي  والتأخر ,  اضافة  الى   ذلك تقترن   ثقافة  المؤامرة بثقافة   الرفض والكره , فمن   المنطقي   رفض من  يريد   الحاق   الضرر   بغيره , ومن   الضروري التأكد من   علاقة   التردي   بالغير , وهذا   الأمر   مستحيل   عند  وجود   ذلك   الكم   الهائل  من  القصور  الذاتي , تجاهل   القصور  الذاتي واسقاط المسؤولية على  الغير معطل  للاستفادة  من  الغير ,اي  العزلة , وهل  بامكان   شعب  في  هذا  العصر ان  يحقق  اي  تقدم   بدون  التفاعل   مع  الغير وتبادل   المعارف  والخبرات مع   الغير ؟
يمثل تحميل   الغير مسؤولية   التردي  والخراب الى  تأزم  العلاقة  معه , مما   يقود   الى   النزاعات  والخلافات   ,  التي   قد  تتطور  الى   حروب  مدمرة  ,  ينهزم   به عادة  الضعيف  صاحب   الوضع   المتردي      ,  أي  ان نتائج   الرفض  والكره   لاتقتصر   عى    نوع  من  المشاعر  السلبية , انما   بالدرجة  الأولى   الى  حالة  أو  واقع   سلبي بائس,  فالصراع  المؤسس  على   اسباب  وهمية لايقود   الى  نتائج   ايجابية  واقعيا  ,لايعتبر    الموت  والاندثار امرا  ايجابيا   , لذلك  يمكن   اعتبار  رفض   الغير ومناصبته   العداء  , الذي   يقود الى  الموت  والفناء ,  بالنتيجة ممارسة للعداء  ليس  مع الآخر   فحسب  ,  انما  مع   الذات ,  عمليا  انتحار  !

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *