ممدوح بيطار, ما بيطار:
لا تقتصر ممارسة التحرش على الذكور , فالتحرش ظاهرة انثوية -ذكورية , تكثر ممارستها في سن المراهقة , الا أن الممارسة تتمدد الى اعمار أخرى , خاصة عند عدم تمكن الانسان من تكريس صيغته الاجتماعية , أي عندما يبقى المخلوق البشري في طور الحيوانية وحشا مفترسا ,
لاشك بوجود تباين كبير جدا بين نسب المتحرشات والمتحرشين , نظرا لقلة النساء المتحرشات , يمكن القول على أن التحرش ظاهرة ذكورية بامتياز , تكثر ممارسات التحرش في المجتمعات المغلقة , التي تمنع او تحد من الاختلاط بين الجنسين , حتى في اعمار البراءة الجنسية , اي قبل بلوغ سن التمايز الجنسي , تكثر في المجتمعات التي تفرض الكبت الجنسي , وفي المجتمعات التي تعتبر المرأة عورة وبدون حقوق تساويها مع الرجل ,تكثر في المجتمعات المحافظة الذكورية , وفي المجتمعات التي تحتضن الذكورية كالمجتمعات الدينية , التي تكرس الذكورية وبالتالي لاتسعى بجدية وحزم الى تهذيب الغريزة , من يعور المرأة ويرى أنه عليها بنصف العقل ونصف الدين أن تكون منفعلىة وليست فاعلة يختنها لتعديل شهوتها , ظنا خاطئا منه بأن الختان يعدل الشهوة , الختان لايحول الشهوة الى معتدلة , ولكنه يعيق تحقيق الشعور باللذة .
التحرش عنف وسادية تضع المرأة في حالة دونية تلبية لشغف ذاتي وملذة ذاتية وحيدة الجانب , الاعتبار الوحيد للمرأة في هذه العملية هو احتقارها , لا تفكير بمشاعرها وكرامتها وكيانها وانسانيتها , انها وجبة تلذذ يلتهمها الوحش بدون اي حرج , فمن حقه أن يتلذذ ولو بممارسة الاهانة والاعتداء على غيره , لايهمه ارهاب المرأة واخافتها وارغامها على الانزواء في حماية البيت ثم عدم الخروج للسير في الشارع او ممارسة الحياة كما يمارسها الذكر ,القاهرة اخطر مدينة في العالم على المرأة ولندن أأمن مدينة في العالم بالنسبة للمرأة !!!!.
ليس من النادر ان يرغم التحرش المرأة على تغيير خططها الحياتية كالدراسة , وبذلك يساهم التحرش في اتلاف مستقبل المرأة المهني أو العلمي , ليس من النادر ان يساهم التحرش في ولادة أمراض نفسية كعصاب الخوف أو القنوط او الميول الى العدائية او انعدام الثقة بالرجال أو عدم المقدرة على “الحب” , لأن التحرش مدمر للعلاقة بين الرجل وبين المرأة .
المجتمع المتوحش يرى كل ذلك ويصمت عادة بدافع السترة مثلا , أو أنه يحاول تبرير الفعلة , وله في الخلفيات الفكرية او التراث الفكري دعما كبيرا , كالاعتقاد بأن اشكالية التحرش تعود الى تبرج وتعطر وسفور المرأة , وليس الى مسلكية للذكر المتحرش المتوحش , ادانة المرأة سهلة , لأن النصوص لاتعتبرها انسانة بل مخلوق بنصف عقل اي مابين الانسان والحيوان , المراة مقصرة في ممارسة حمايتها لنفسها بالحجاب مثلا , فالسافرة تثير الذكر وتهيجه الخ , لذا لاذنب له في تحرشه وتوحشه , الذنب هو ذنب المرأة , انها المسيئة لنفسها .
لاتختلف الحكومات عن المحكومين , فالحكومات تبرر كما يبرر المجتمع المتوحش , وكما يبرر المتحرش المتوحش , وكما يبرر فرض التحجيب , كلهم يدينون المرأة ويؤيدون الذكر , وبذلك يمكن اعتبارهم جميعا مرضى مهووسين نفسيا , يساعدهم في اجرامهم كم كبير من الآيات وفيلق كبير من رجال الدين , وخطاب ديني متوحش مثلهم .
لقد تمكنت المجتمعات الأخرى السافرة من تحجيم التحرش , بينما لاتزال مجتمعات هذه المنطقة بالشراكة مع التراث المريض تدعم التحرش بوعي مشوه او بدون وعي … بالجهل , او بالصمت والسكوت , لقد أصبح التحرش مفرزا شبه طبيعي للقيم الاجتماعية المهيمنة في قطعان الوحوش ,انه حتمية لامناص منها في ظل القيم التي تنظم امور الحياة كالعلاقة بين الرجل والمرأة في هذه المجتمعات .
هل هناك في تلك المجتمعات التقليدية المتدينة المؤمنة اي امكانية لاقامة علاقة حب او عشق او حتى صداقة بين رجل وأمرأة سوى عن طريق التزويج البائس المتخلف او عن طريق التحرش المتوحش أي الاغتصاب , الذي جرمته بعض الدول العربية في قوانينها مثل تونس والجزائر والمغرب , فالنية وراء هذه القوانين جيدة من جهة والنتائج جيدة نسبيا , الا أن قوانين تجريم التحرش قد تقود الى تفجير هذه الجماعات , التي ابتلت بعلاقات غير طبيعية أفرزت التحرش , قمع التحرش بالتجريم قد يفرز عقلية الاغتصاب أو يفرز حالات التزويج المستعجلة ,التي ستتتعثر حتما وتتحول الى شبه كارثة خاصة بعد انجاب الأولاد .
قمع التحرش عن طريق تجريمه , وبغياب البديل السليم ,مثل تشجيع الاختلاط واقامة علاقات طبيعية بين الرجل والمرأة يمكنها امتصاص الحاجة الى التحرش ويمكنها منع تطور المنع والتجريم من التحول الى ممارسة الاغتصاب وغير ذلك من الاختلاطات لايفي بالغرض , ولا حل لهذه المشكلة وتطوراتها السلبية سوى حرية العلاقات الجنسية ,فالمرأة انسان لايمكن قمعه على المدى الطويل , والدليل على ذلك هو ماتم تحقيقه من استقلالية وحرية للمرأة في كل انحاء العالم , حتى في المجتمعات العربية التي ستتطور وتتغير كما تغير غيرها وتطور ولو بالكثير من التأخر .
عالجت معظم مجتمعات العالم تلك اشكالية التحرش بمزيج من صرامة قوانين العقوبات ومن حرية الحياة الجنسية والاجتماعية , وتوصلت بالتالي الى أفضل النتائج النسبية , صرامة القانون الى جانب الحرية ومنها الجنسية قاد الى تحقيق توازن وتفاهم اجتماعي أفضل ومؤثر على العديد من جوانب الخلل الاجتماعي , مثل الزواج بعقد ورقي وبمهر مادي , اي بالشراء , وبذلك تحويل المرأة الى جارية ليلا وخادمة نهارا , الحرية تسمح باقامة علاقات زوجية أمتن بدرجات من علاقات البيع والشراء تحت الاسم المستعار “تزويج أو نكاح”, لاتزويج في المجتمعات المتقدمة , التي تقدمت للعديد من الأسباب , منها عدم ممارستها للتزويج الورقي الشرائي , ثم احترامها للانسان , والمرأة انسان ايضا !
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
Post Views: 514