جدلية العنف والحرب , طائفية المقدس وقداسة الطائفية …

ممدوح بيطار:
كاريكاتير الصحف السعودية.. إيران تشعل فتيل الحرب فى المنطقة - اليوم السابع
يرتكز بحث العلاقة بين الطائفية  والمقدس على أسس من أهمها تلازم الطائفية مع وجود المقدس والتناسب الطردي بين انتشار وممارسة الطائفية والاعتقاد بالمقدسات , الطائفية كانت ولا زالت تمثل جزءا من البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمعات العربية  ومنذ العديد من القرون,انها موروث تاريخي تراثي محمدي  وسمة رئيسية في تركيبة المجتمع العربي   , ومكوناً رئيسياً في تراثه الثقافي والديني.
الوضع لم يتغير بشكل اساسي بتغير نوعية  الأمبراطوريات ان كانت أموية أو عباسية او عثمانية ,التغير حصل بعد انهيار الخلافة العثمانية   في  الحرب  العالمية  الأولى, حيث تراجعت الممارسات الطائفية بعض الشيئ , لتعود الى الانتعاش في العقود الأخيرة , هذا يعني بالنتيجة, أن الطائفية بقيت موروثاً حيويا وحيا , حتى في العصر الحديث, حيث احتفظت المجتمعات العربية بهيكليتها الطائفية رغم ولادة الدولة الوطنية , ورغم تطور النظام العالمي بشكل معاكس .
لنأخذ المثلث الأنثربولوجي الشهير لدى محمد أركون والمؤلف من المقدس والحقيقة والعنف , أركون رأى بأن من يكرس المقدس كحقيقة بمختلف الوسائل , انما يشرع ممارسة العنف تجاه أي مساس بالحقيقة التي تمثل المقدس,وذلك بالرغم من أن قدسية المقدس ليست أصلا به انما غلافا خارجيا له .
تختلف المقدسات والحقائق المطلقة التي تمثل القاسم المشترك بين الطوائف الدينية,الا أن آلية صناعة المقدس واحدة بين مختلف الطوائف ,المقدس مختلف من طائفة لأخرى , تباين واختلاف المقدس هو المؤسس لانتاج الخلافات بين الطوائف كما رأى أدونيس في الثابت والمتحول .
هناك التباس كبير بين مفهوم الطائفة ومفهوم الطائفية ,فالطائفة هي اتجاه اجتماعي له أبعاده التاريخية ,  ولكن من الصعب تواجد كيان الطائفة دون ملازمة الطائفية , بحيث يمكن القول بأن الطائفة طائفية بطبيعتها , وعلى الدوام , للطائفة الطائفية “مشروع”سياسي في الغالب , مشروع ذونهج يعتمد الطائفة كوسيلة للوصول الى الهدف السياسي , والعمل على فرض الهيمنة السياسية المموهة دينيا .
تعد القداسة صفة لصيقة وملازمة للفكر والسلوك الطائفي ,فالفكر الطائفي هو وليد النظرة تجاه النصوص المقدسة ووليد التداخل بين قداسة النص وقراءة النص (مايسمى استصحاب القداسة), ثم ان القداسة تضمن الحماية للطائفة من الاختراق الفكري الذي قد يؤدي الى تآكل وضمور الطائفة ..
القداسة والحماية هم جوهر الفكر الطائفي , العيب مفقود في فكر الطائفة !!!, وبقدر ماتؤدي القداسة الى حماية الطائفة من الاختراق , تؤدي في نفس الوقت الى اغتيال, وبالتالي الى موت فكر الطائفة لتناقضه مع العقل والاجتهاد والتطور بما تفرضه وتتطلبه الحياة ,الحماية من الاختراق يقود الى تيبس فكر الطائفة , وتعطيل تزويد فكر الطائفة بروافد فكرية جديدة   تعيض عن المستهلك من الفكر , وتزود فكر الطائفة بما هو ضروري وجديد من من أجل حياة تتطلب التجديد المتواصل .
امتلاك الحقيقة هو منتج من منتجات القداسة , لاعيب ولا نقص في الحقيقة المطلقة التي هي جوهر القطعية الطائفية!!!! ,والحقيقة واحدة ومقدسة وما عداها شذوذ ونشوذ وانحراف ثم ضلال , هذا يقود حتما الى شرعنة العنف الذي تحدث عنه أركون في ثلاثيته ,ثم أن القداسة هي مصدر الأخلاق الطائفية التي ترسم سلوك الفرد تجاه محيطه الاجتماعي , أخلاق تتسم بلتعالي والاقصاء , القداسة تؤسس للتعصب الديني الذي هو أقرب الى التعنت والتجمد والتحجر , هذه الصفات كانت  من أهم سمات مسلكية الفرد في الشعوب المتأخرة ,التعصب الديني   أسوء بدرجات من التعصب العشائري أو القومي, لكونه يرتكز على ثوابت عسيرة على التغيير والتطوير,التقديس هو  مصدر الغاء الآخر في الوجود والتعبير والاعتقاد ,يبرر  التقديس   بامتلاك الحقيقة المطلقة .
من مظاهر علاقة المقدس بالعنف تسمية العديد من الحروب بالحروب المقدسة , حيث يتم توظيف المقدس في الصراعات الحربية , وذلك بهدف التمويه على مسببات وأهداف ثم نتائج هذه الحروب المقدسة,الويلات والمآسي والخراب والدمار..الخ كل ذلك منبعه توظيف المقدس الديني في الصراعات الحربية ,  اعتبرت  الأثمان الباهظة في هذه الحروب  زهيدة نسبة الى هدف حماية المقدس,واقعيا كانت الصراعات والحروب مظهرا من مظاهر التنافس الفطري على المصالح والاستحواز على المنافع والسلطة والنفوذ استجابة للغريزة البشرية , إستخدام المقدس في هذه الصراعات كان بهدف التحشيد والتجييش لخوض تلك الحروب , التي حصدت حياة البسطاء من المؤمنين بذلك المقدس   بالدرجة  الأولى .
لايمكن التغلب على الطباع  الطائفية ووضع حد لتوظيف الدين المدمر وللطائفية وللمقدس الا بالعقلانية التي تسمح بتأسيس دولة القانون , التي تقوم على أساس المواطنة ,ليس على أساس الدين أو المذهب أو المقدس , فشلت عدة  مجتمعات  بسبب المقدس , وسوف يتعاظم  الفشل عند الاستمرار في التقديس !

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *