ممدوح بيطار, سمير صادق :
من أهم مهمات مدرسة العصر الحديث هي مهمة العناية بعنصر الابداع , الذي يتطلب من المتعلم استخدام عقله في تنشيط التفكير , أصلا الفكر والتفكير هم باختصار خلق أفق جديدة ومفاهيم جديدة تطور الحياة الى الأفضل , لا فكر ولا تفكير ولا ابداع عندما يتحول المتعلم الى جهاز ارتكاسي لتفريغ المخزون في الذاكرة عند الحاجة أو الطلب وعند الاشارة الى الحاجة للافراغ .إذن لكي تكون المدرسة مبدعة , يجب أن تهتم بالتفكير قبل اهتمامها بالمعرفة , فالمعارف موجودة في الشبكة ,ويمكن الحصول عليها في أي وقت , الاهتمام بالتفكير هو اهتمام حصري بطرق التفكير وليس بالأفكار بحد ذاتها وبشكلها المجرد , من يتمكن من الطريقة يصل الى انتاج أفكار جيدة , جودة الأفكار نسبية ومتجددة أيضا , ففكرة اليوم جيدة , الا أنها في الغد قد تصبح غير مناسبة لابل سيئة .
تعتمد طرق التفكير , التي توصل الانسان الى الفكرة الجيدة والمناسبة على العديد من العوامل , منها وضع الأمور في منظورها السليم الموضوعي ألواقعي , عدم المبالغة , ثم تجاهل الرغبات الذاتية نسبيا , والابتعاد عن الغيبية والقطعية والدوغماتيكية , التنور برأي الآخرين والابتعاد عن كل مايعطل عمل العقل , كالايمان المدمر للعقل على سبيل المثال , ثم نبذ التعصب لموقف معين ,وترتيب الأمور من ناحية الأهمية , طرق التفكير المجدي شخصية , ولا يمكن القول بوجود برنامج للتفكير ينطبق على الجميع.
التحفيظ بقصد التكرار الببغائي يعني حشو الرؤوس بمواد , ولو كانت جديدة فستصبح يوما ما ماضوية قديمة , ثقافة القرون الأربع عشرالأخيرة , هي بدون أي شك قديمة بالية ولم تعد لها صلاحية في الحاضر ,خاصة في المستقبل ,يملئ العقل بمواد تراثية عتيقة فاقدة الصلاحية , تمنع دخول مواد عصرية اليه , وان دخلت , فستقود بسبب تناقضها وتضاربها مع المفاهيم القديمة الى التأزم والصراع الداخلي , هنا تصطدم المثاليات القديمة مع الجديدة ,والأرجح , بحكم الاعتياد والقناعة المسبقة بالقديم المترسخ أن ينتصر القديم على الجديد , استمرار انتصار القديم , وانحسار الجديد يحول الانسان الى حجر متكلس همه الوحيد هو البقاء كما هو.
أحد أشكال التلقين المنتشرة بين الأطفال هي تحفيظ كتاب ال ٦٠٠ صفحة , بهدف تقويم اللسان والتزويد بالعلم والمعرفة , ما معنى تقويم اللسان بلغة من الصعب فهم مدلولاتها المجازية وصورها , حيث لكل عبارة تفسيرات متباينة ومختلف عليها حتى من قبل الفقهاء ,تقويم اللسان يعني تمكن الانسان من لغة الكتاب ,وماهي فائدة التمكن من لغة الكتاب , عندما لايمكن استخدام هذه اللغة في الحياة اليومية ,تصوروا جريدة مكتوبة بلغة استعملت قبل ١٤٠٠ سنة , تصوروا دردشة بهذه اللغة !, فمن يتمكن من فهم ماكتب أو ماقيل ؟؟ , لذا يمكن القول بأن تقويم اللسان قد تحول الى اعوجاج اللسان ,لسان لايتمكن من نطق ما يمكن فهمه بالسرعة الكافية والوضوح الكاف هو لسان أعوج !
يحتاج المجتمع الذي يهمه التقدم الى عقول تتطلع الى الأمام وليس لرؤوس محشوة بثقافة الماضي ومليئة بما هو ضار حاليا,لا يترك التحفيظ في عقل الطفل مساحة لشيئ آخر , عقله هو عقل الصفحات ال ٦٠٠حتى بدون فهم وبدون تحليل وبترويج لمثالية قديمة لم تكن مثالية ,انه غربة وبالتالي عزلة ثقافية وموت ثقافي ,فالثقافة الحيوية هي الثقافة التفاعلية ,التي تأخذ وتعطي وبالتالي تدوم !
يغرس التحفيظ في عقول ونفوس الصغار انصياعية مطيعة تقدس الماضي , فيصبح الماضي على علاته المثل والقدوة والنموذج , أنه مقدس لذاته , وهو أمل المستقبل , وهذا هو الخطر الكبير ,فالمجتمع الذي يريد التقدم يحتاج الى التوجه الى الأمام والتطلع الى الغد بدلا من محاولة استحضار الامس.
بالنتيجة يمكن أو يجب القول بأن تحفيظ الخرافات , عمل اجرامي تربويا وعلميا ,انه مجهود عقيم وسلبي , ليس له سوى نشر القيم الباطلة البالية , انه عقاب نفسي وجسدي, وتأزم جامع للضديات مع بعضها البعض , التحفيظ هو العكس من التحليل , والايمان هو الضد من العقل , وما هي حاجة المؤمن بعمل العقل ؟ الايمان يحول العقل الى فائض لالزوم له,كل ماذكر مبرهن من واقع الحياة, فكلما ارتفع الايمان سقط العقل ,أمة الايمان هي أمة بدون عقل!
