ممدوح بيطار,نسرين عبود :
تطرح الثقافة والمنظومة المعرفية نفسها في هذه المنطقة وفي هذا القرن بشكل شبيه لطروحاتها قبل اربع عشر قرنا , بذلك يمكن القول ان الشكل الثقافي القديم ليس غريبا عن هذا العصر , والجديد في هذا العصر غريب عن الشعوب الى حد الانتفاء الوظيفي ,لربما تسبب عدم التمكن من انتاج ثقافة عصرية منتجة ايجابيا في استنجاد هذه المجتمعات بالارث الثقافي القديم , أي بالتراث والنصوص الشمولية المتكلسة الجامدة والمتسربلة بالتقديس , والتي وقفت دائما عائقا أمام نفسها .
الانسان حائر وضائع بدون ثقافة عصرية , ومستغيث مستنجد بتراث ثقافي كان أصلا فاشلا في سياقه, وفشله تفاقم في هذا العصر وسيتزايد فشله مستقبلا , لذا يقال على أنه متأخرهدام ومتوضع خارج التاريخ , هكذا أصبح النقل ضروري , والسيئ بالنقل كان نوعية المنقول , فبدلا من نقل ثقافة اثبتت جدواها ومقدرتها على قيادة ركب التقدم والحداثة , كان هناك اصرارا غبيا على نقل ثقافة التأخر والتوحش والفساد , وتجاهل ثمرات عصر التنوير الأوروبي , التي أمنت للغرب تفوقا عملاقا في القرون الثلاثة الأخيرة , فعندما بدأ الغرب في انارة الطرق الى المستقبل الأفضل, عمت العتمة في كل انجاء الشرق العربي , عتمة الغزالي وابن تيمية والوهابية وغيرهم .
كمنت اشكالية التأخر برفض سبل التقدم , ففي مطلع القرن العشرين كانت هناك عروض للدخول الى التقدم من باب العلمانية , الا أن الأمر قوبل بالرفض تجنبا للتلوث بحضارة كافرة , كل ذلك كان قبل دخول بساطير العسكر في معترك الحياة السياسية العربية , بحيث يمكن القول ان وجود البساطير على مسرح الحياة السياسية في هذه المنطقة , كان نتيجة للتأخر وليس سببا له , لولا رفض الشرق العربي للعلمانية الديموقراطية لما كان للبساطير أي وجود .
يتميز الفكر الديني المتجلبب بالبدلة السياسية بالعديد من الخواص , منها عدم مقدرته على التعلم ونفوره من المراجعة والتحليل والاعتراف بالخطأ , لذا ليس من العجب أن يصر هذا الفكر على ثوابته الجامدة , وذلك بالرغم من الفشل الذي سببه هذا الفكر , الذي يراه حتى المصاب بقصر النظر ,لايزال الاخوان وروافدهم مصرون على اقامة دولة دينية , لأن فقهائهم مقتنعون بمقدرة نصوص الدين على اقامة هذه الدولة ثم رعايتها وتطوير الحياة بها الى الشكل الأمثل , هناك قناعة فقهية تقول ان مطلب اقامة الدولة الدينية يمثل جوهر الدين وأساسه , ثم أن اقامة هذه الدولة فرض على المؤمنين المحمديين , لأن اقامة هذه الدولة من ارادة الله , كما هو واضح من النصوص المنسوبة اليه , الفشل في اقامة هذه الدولة الدينية يفقد الدين جوهره !!
الغريب في الأمر كان فشل الجبار القهار جل جلاله طوال اربع عشر قرنا في اقامة هذه الدولة , اذ ان الخلافة لم تكن “دولة” بالمعنى الحديث لمفهوم الدولة , الخلافة كانت كيانا دينيا اخذ شرعيته من الشرع الديني , حتى لو تغاضينا عن امر تحقيق الخلافة لشروط الدولة , التي لم تكن معروفة في ذلك العصر , لقد فشل جل جلاله في هذا العصر حتى في اقامة الخلافة باستثناء خلافة ابو بكر البغدادي , التي عمرت عددا قليلا من السنين , جل جلاله كان قادرا على اقامة كيانا دينيا في افغانستان وفي ايران ولربما في السودان الشمالي , أما خارج هذه المناطق فلم يكن لجهوده اي ثمرة تذكر بخصوص اقامة دولة او خلافة او ماشابه,جل جلاله اذن كان فاشلا بكل ماتعنيه هذه الكلمة .
بالمقابل افلحت العلمانية المالكة لمسوغة العقل المنطقي العقلاني الرافض للدولة الدينية , في اقامة دولا متقدمة وقوية ومهيمنة علميا وثقافيا واقتصاديا واجتماعيا وسياسيا على كل العالم تقريبا , ولا عجب في ذلك , فالعقل الانساني قادر على اقامة الدول وعلى رعاية هذه الدول وتطويرها الى الشكل الذي نراه في هذا العصر , وذلك بمعزلة عن النص الديني وعن ارادة الخالق , الذي تبين على أنه نمر من ورق .
التأخر اجرام بحق الشعوب, لم يقتصر اجرام الخطاب الديني على جرجرة الشعوب والدول الناشئة الى حظيرة التأخر والفاقة والجوع والمرض واللجوء والتطفل على الشعوب المتمردة على ارادة الله , لقد تعدى ذلك الى زرع مفاهيم كاذبة ومزورة في عقول البعض , من هذه المفاهيم قضية فصل الدين عن الدولة , الذي حاول الفكر الديني المحلي التحايل عليه بالعديد من الطرق , منها الادعاء بأنه كان للعلمانية الغربية ضرورة بسبب ظروف القمع الديني في اوروبا ,الذي مارسته المؤسسات الدينية , اذ لاوجود لظروف من هذا النوع في رحاب الدين الحنيف ,وكل المشايخ متنورون مستقبليون , ويجب ان يكون الحل والربط بيدهم حصر .
لا شك بأن المؤسسات الدينيىة قمعت وهيمنت في اوروبا , ولكن العلمانية الغربية لم تكن وسيلة قمع للمؤسسات الدينية انما وسيلة فصل بين الدولة والدين , العلمانية منهجية فلسفية وموقف فكري من الحياة متمحور حول استقلالية العقل وحريته ورفض الهيمنة عليه بأي وسيلة كانت ومن قبل اي جهة كانت , حتى رفض النصوص المقدسة , ورفض اي شمولية كيانية تريد احتكار الحق المطلق , العلمانية انتصرت للعقل وأشاعت العقلانية بالفكر وضمان حريته ولم تنتصر بالسيف , اذا كانت العلمانية ضرورية في اوروبا , فان ضرورتها في الشرق العربي ملحة ومنقذة واساسية .
العلمانية حررت العقل بتأكيدها وبرهنتها على تفوقه على النص , وبالتالي وجوب خضوع اي نص اليه , فلكي يصبح النص دينيا لابد له من أن يكون وحيا الهيا , والعقل الحر لايعمل بالوحي الالهي , انما بالتحليل والادراك والمنطق واستخدام الذاكرة والمقارنة, فكل ما توصلت البشرية اليه كان من انتاج العقل حصرا,وليس من انتاج الفقه او الكتب المقدسة ,
