ممدوح بيطار ,ميرا البيطار :
ماهي معالم الفكر القومي العربي , وما هي معالم الفكر القومي الصهيوني؟
نشأ الفكر القومي العربي في مطلع القرن العشرين بهدف التخلص من العثمانيين , وقد وجد هؤلاء بأن هناك مايجمعهم مثل اللغة والثقافة والحياة المشتركة , الا أن عامل الجمع الأهم كان العامل الاتني العرقي العربي,وحتى التفكير الوحدوي العربي في اطار القومية العربية ارتكز على العامل الاثني العرقي , الذي ساهم من جهة أخرى بشكل كبير في اندلاع الأزمات الداخلية, كما هو في العراق وسوريا مع القومية الكردية ومع جنوب السودان ومع اقباط مصر ومع القومية السورية والأمازيغية , تارة بسبب رفض هيمنة القومية العروبية وتارة بسبب رفض هذه القومية العروبية لبقية القوميات واعتبارها لاغية أو غير موجودة .
امتداد العامل العرقي العربي على الشعوب والأوطان انعكس على امتداد العامل الجغرافي الذي تسكنه هذه الشعوب والذي تسمى تقليديا بالوطن العربي , فالوطن العربي هو وطن القومية العربية العرقية والتي تتربع على جغرافيا هي الجغرافبا العربية, التي تمددت لتصل الى جزر القمر وغيرهم مثل موريتانيا الخ .
تتميز القومية العروبية بميزة الميل الى التعريب الموروثة من سياسة الفتوحات , التي عربت الناس دينيا ولغويا بعد احتلال ارضهم وأوطانهم , كما هو حال بلاد الشام وشمال أفريقيا , وهذا الأمر جعل من الفكر القومي العربي فكرا احتلاليا مفعما بعنف تمتد جذوره الى ١٤٠٠ سنة , وما حدث في أوائل القرن العشرين ليس أكثر من اعطاء هذه الاحتلالية أو الفتوحية كما يريد العروبيون تسميتها صيغة نظرية وبلورة في شكل دولة او دولا , عليها أن تكون موحدة بغض النظر عن كونها مؤهلة للوحدة أو غير مؤهلة , اذ أن العامل العرقي كاف لاحتضان هذه الوحدة واعطائها الدفع الضروري للبقاء والتطور , وذلك بعكس مانعرفه عن بقية الوحدات أو الاتحادات كالاتحاد الأوروبي , الذي ولد على ركائز اقتصادية وسياسية ,بعد أن تم الغاء المفاهيم القومية الاوروبية المتعددة ,
ظهرت الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بشكل قومية , أهملت وتجاهلت الأرض التي عاش عليها العبرانيون في العالم بشكل مواطنين في مختلف الدول والمجتمعات, استيقظت المفاهيم العرقية , وأصبح العرق هو الأساس وليس الجغرافيا , هنا استقالت هوية الصهيوني من هوية البلدان التي عاشوا بها , وجغرافيته ابتعدت عن جغرافيا الدول والمجتمعات التي عاشوا بها , استقر الأمر على أن البديل عن الجغرافيا كانت فلسطين ,أصبح الأصل العرقي والاثني المشترك المحدد للهوية الصهيونية , الذي ينحدر العبريون منه , الذين ينحدرون بدورهم من أجدادهم في فلسطين , فعرقية الانتماء هي مايجمع بين أسس الفكر القومي العربي والفكر القومي الصهيوني ,
فكرة الوطن القومي المبنية على اسس عرقية هي شكل آخر من أشكال التشابه بين القومية العربيىة والقومية الصهيونية , فالوطن العربي جغرافيا هو الرقعة من الارض التي يسكنها العرق العربي والتي تمتد من المحيط الى الخليج أي الوطن الأصلي للعرب في الجزيرة مضافا اليه الشعوب التي تعربت كحال سوريا ومصر والمفرب , فالعرق هو العامل الأساسي في رسم الحدود , وهذه الطريقة تستخدم من قبل الاخونج , فحدود دولتهم يحددها وجود المؤمنين , ان وجدوا في روسيا فروسيا جزء من دولة الخلافة , ولايختلف ذلك عن التفكير القومي الصهيوني , حيث أن وجود الصهاينة في منطقة ولو محتلة عن طريق الحرب يعني أن هذه المنطقة قد تحولت الى جزء من دولتهم , يمكن القول بأن اسرائيل تشكل وتكون وتجمع الشعب أولا , ثم تبحث له عن الأرض , ولو ازداد عدد الصهاينة فجأة بحوالي مليونين , لاشتعلت نار حرب يتم من خلالها تأمين المكان المناسب لهم تحت الشمس , الخلل في القوميتين هو تبعية الأرض للعرق, بينما الأصح هو تبعية العرق أو الاعراق للأرض , المهم هو العنصر الجغرافي أولا ومن يسكنه ثانيا ,
علاقة الدولة وبالتالي القومية بالدين متشابهة في حال القومية الصهيونية وحال القومية العربية, هنا يحب محاولة فهم ولادة الفكر القومي العربي في أوائل القرن العشرين على يد مجموعات معظمها لبناني , فللقومية العربية طوران , طور البداية وطور البلوغ , ففي البداية كانت المبادرة بمعظمها مسيحية وفي البلوغ أصبحت بمعظمها اسلامية , البداية تأثرت بوضع الأقليات الدينية , فحماسة البعض للفكر القومي العربي كان مدفوعا ولو لاشعوريا من الحرص على الأقلية التي شعرت بالتهديد من قبل الأكثرية المحمدية.
الفكر القومي عنصري أيضا , ألا أن عنصريته ليست دينية, لذلك روجوا للقومية حماية لهم من العنصرية الدينية , أما في مرحلة البلوغ وخاصة بعد عام ١٩٢٨ فقد امتزجت العنصرية القومية مع العنصرية الدينية وتحولت العروبة الى دين والدين الى عروبة , وهكذا انقلب الوضع بالنسبة للأقلية الى تهديد أكبر , لم ينفع في علاجه اعتراف انطون سعادة بأننا كلنا مسلمون , هناك من أسلم بالله عن طريق محمد وهناك من أسلم بالله عن طريق المسيح , اما عفلق فقد أعلن الاستسلام النهائي وقال ان العروبة دين والدين عروبة ,الهدف من هذه الخطوة كان سحب البساط من تحت أقدام الاخوان السياسي الذي بدأ حديثا عام ١٩٢٨ على يد البنا وقطب, وهكذا ولد في هذه المرحلة استغلال متبادل وابتزاز للعروبة من قبل الدين وللدين من قبل العروبة,فالدفاع عن العروبة العرقية هو دفاع عن الدين والدفاع عن الدين تحول الى دفاع عن العروبة , وبذلك انصاع الدين ذو الجوهر الأممي للعروبة ذات الجوهر القومي , وانصاعت العروبة القومية للدين الأممي في تقارب مؤسس على المصلحة المشتركة في تقاسم السلطة , هذا التقارب تأزم عدة مرات, وسبب التأزم كان دائما محاولة جهة تكبير حصتها من السلطة وبالتالي نقض اتفاق التراضي والتقارب والمحاصصة .
الحركة الصهيونية هي حركة احتلالية استيطانية ابتزت الدين كما ابتزته القومية العربية , وذلك لتحقيق تجميع الصهاينة في فلسطين , الصهيونية أصلا لم تكن حركة دينية كالقومية العربية التي لم تكن أصلا حركة دينية , وحال الصهاينة الأوائل كان بعيدا عن الدين , كحال القوميين العرب الأوائل ببعدهم عن الدين , تفاعل القومية الصهيونية السلبي مع الدين كان شبيها مع تفاعل الفكر القومي العربي مع الدين ,التناقض تحول الى تفاهم , وهكذا ولدت في النهاية الصهيونية الدينية وولدت العروبية الدينية وتأجج العداء بين القوميتين وبين الدينين وذلك بالرغم من التشابه القومي وحتى التشابه الديني .
لقد كانت الايديولوجيات العرقية دائما سببا مهما من أسباب الحروب , ومبررا لانتهاك حقوق الانسان كما فعلت العرقية النازية القومية , لم يجد القوميون العرب والقوميون الصهاينة من حل لمشكلة فلسطين الا حل الحرب والاقتتال , ربط الهوية بالعرق والدم لايؤدي الا الى هدر المزيد من الدم , والعالم المتحضر تجاوز المفهوم البيولوجي العرقي للهوية , فالهوية أصبحت ترابية مصدرها الأرض الذي يعيش الانسان عليها كان من كان وبغض النظر عن أصله وفصله , التحديد الترابي للهوية هو القادر على تجاوز النزاعات التي تحركها النزعات العرقية , الاستمرار في الاتكال على العروبة القومية العرقية ثم القومية الصهيونية العرقية سيكون كافيا للاستمرار في الحروب العبثية , من يريد الانتصار على القومية الصهيونية الدينية , عليه الانتصار أولا على القومية العربية الدينية , ومن يريد الانتصار على القومية العربية الدينية عليه بالانتصار أولا القومية الصهيونية الدينية , اذ لاتختلف العروبية عن الصهيونية من حيث مبادئها وأصولها الفكرية ونزعتها العرقية الدينية!