ربا منصور , ميرا البيطار :
هل كان من الممكن أن تصل الأوضاع في هذه البلاد الىى ذلك البؤس وانعدام الأفق والخراب دون ارتكاب أخطاء قاتلة من قبل المنظومات المسيطرة على القرار ؟ , ومن هي تلك المنظومات التي سيطرت على القرار, وبالتالي ارتكبت تلك الأخطاء القاتلة ؟ وهل الادعاء بأن هذه المنظومات تقتصر على منظومة الفكر القومي العربي من جهة ومن جهة أخرى منظومة الاسلام السياسي خاطئ ؟ , وكلاهما ولد بالشكل “العصري” الذي نعرفه في بداية القرن العشرين .
لاوجود لمنظومة ثالثة الى جانب المنظومة القومية والمنظومة الدينية , لذلك يجب تحميل هاتين المنظومتين المسؤولية عما حدث ويحدث لحد الآن ,الحكم على منهجية سياسية ان كانت قومية أو دينية يخضع الى النتائج, و التجربة تنتج السيئ والجيد , ولما كان السيئ يحيط بهذا الشعب من الجهات الستة , لذلك لامناص من اتهام هذه المنظومات المهترئة, والتي أرغمت الشعب الآن على دفع أثمان هائلة لأخطاء ارتكبوها ..سيان ان كان جهلا أو عمدا , كل ذلك لن يغيير من طبيعة الحكم عليهم .
لم يكن حقيقة لهذه المنظومات أي تأثير يذكر على أول الانجازات التي تمخضت عن الحرب العالمية الأولى , بريطانيا هي التي طردت العثمانيين , وبالشراكة مع فرنسا من قسموا ووحدوا ورسمو الحدود ,هم من أعطى وأخذ , والعرب تحت خيمة الشريف حسين نيام , تأسست على الأقل خمس دول عربية , و حدثت هنا أول محاولات الانتحال والاحتيال من قبل المنظومات المسيطرة على وجدان الناس , اذ اعلن القوميون والاصوليون احرازهم لاستقلال الدول من الاحتلال العثماني , وبالتالي قطفهم لأول ثمرة من ثمرات جهادهم , الذي لم يكن جهادا بقدر كونه اتكالا وتطفلا .
تمثل الخطأ الأول باستهلاك قضية التحرر من الأجنبي على مدى عقود , دون الانتباه الى قضية حرية وتحرير الشعوب من التأخر , لقد تحررت الدول أو بالأحرى تم انشاء الدول ,ولكن الشعوب لم تتحرر من التأخر, لم تميز المنظومة القومية-الدينية بين مفهوم حرية الوطن التي حققها الغير لهم , وبين حرية المواطن , التي كان عليهم تحقيقها , التاريخ يقول لنا بأنه لافصل بين حرية الوطن وحرية المواطن , ولا يمكن القول بأن االوطن حر عندما يكون المواطن عبد .
بكلمة أخرى أهملت التنظيات المذكورة أمر الداخل والبناء الداخلي , واستمرت باجترار موضوع الاستقلال عن الخارج, وتوظيف هذا الاستقلال في خدمة الكراسي , وعندما شعرت المنظومات بتململ الناس واستيائهم , طورت نفسها باتجاه يضمن لها البقاء , وذلك عن طريق الممارسة العسكريتارية الشمولية مثل الدولة الأمنية , الغاء المدنية , طوارئ ..الخ , كل ذلك مثل الدواء لداء التململ والاستياء , وهكذا سارت الأمور الى يومنا هذا , تتقاتل المنظومة القومية العسكريتارية مع المنظومة الدينية تارة , تارة أخرى يتباوسون ويتفقون على تقاسم الغنيمة , وقد أثبتت الأحداث على أنه لاخير بهم ومنهم ان اتفقوا او تخاصموا أو تقاتلوا , أكلوا الوطن وتآكل الوطن الى درجة الاندثار التي نراها ونلمسها اليوم .
اجترار موضوع الاستقلال عن الخارج واستهلاك مادة الاستقلال واهمال الوضع الداخلي لم يكن كل شيئ , الى جانب اهمال الوضع الداخلي , كان هناك اهمالا آخر , تجلى بتجنب التلوث والتماس مع الغرب والاستفادة من خبراته , لذا تسلح الفكر القومي والفكر الديني بسلاح العداء للغرب , ورفض التراث العقلاني التنويري لعصر النهضة , المهم كان تكفير الغرب بأي شكل والابتعاد عن الغرب بأي ثمن , والمايسترو كانت هنا المنظومة الدينية , التي شعرت بمخاطر الحضارة الغربية عليها , الحضارة الغربية فتحت باب النقاش امام موضوع ظلم المرأة, وموضوع الحريات والدساتير والزواج والطلاق والديموقراطية والعلمانية ..الخ , مما أصاب القوى الدينية بالارتباك حتى هذا اليوم , أهلا وسهلا بالسيارات ومنشطات الفحولة وساعات الأوميغا وغير ذلك , لا أهلا وسهلا باستقلالية المرأة ولا بالعلمانية ولا بالديموقراطية , لذلك يجب الابتعاد عن الغرب وعن أفكاره الشيطانية , ولا مانع من الاقتراب من الغرب استهلاكيا ..السيارة كانت أهم من الفكرة !.
لقد كانت هناك مناعة ضد التنوير وضد الفكر الحر , الذي لايستقيم مع المقدسات , التي انجبت ظواهر التطرف والإرهاب والانسداد والتأخر , لم يكن عند الاخونج خطة تلائم متطلبات العصر , شددوا على استنساخ الماضي تهربا من اعباء صناعة المستقبل والحاضر , العداء للفكر الحر , االذي كان الغرب منبعه , منع بلورة مشروع نهضوي مستقبلي , لم تكن هناك خطة , باستثناء خطة استحضار الماضي التعيسة , ومن لايملك خطة يصبح جزءا من خطط الآخرين , وخطط الآخرين مرفوضه بطبيعة الحال ,لذا أصبح التردي متوقعا .
في سياق اجترار الماضي, الذي كان بشكل رئيسي ديني سياسي , تطورت الطائفية والفئوية والمناطقية والتجزيئية التي كرستها السماوية التوحيدية المتنكرة للاختلاف والممارسة للاقصاء , تلك كانت أوضاع لايمكنها أن تفرز سوى الاندثار الذي نلمسه ونراه هذه الأيام .
Post Views: 688