تبسيطا يمكن القول بأن البعث سقط بشكل رئيسي بفعل الممارسة قبل أن يسقط بفعل الفكرة , وحتى الفكرة لم تكن بالشكل المناسب ولم تكن في الزمن المناسب , بحيث يمكن القول بأن الفكر القومي المتمثل بشكل رئيسي بالبعث والناصرية فشل لأنه ماكان له الا أن يفشل .
لقد أتى مؤسسوا البعث بأفكار قومية كلاسيكية في القرن العشرين , كانت في منتهى الجدوى والصلاحية من حيث قدرتها على تأسيس الدول في أوروبا في القرن التاسع عشر, ففي الوقت الذي بدأ به القوميون العرب بالعمل القومي , كان الجو الفكري- السياسي في العالم متجها نحو الأممية التي ولدت عام ١٩١٨ , أي أن الفكر القومي العربي بدأ بالنشاط بعد أن انتهى أالأوروبيون من الفكر القومي بشكل عام , لم يعد للفكر القومي العربي روافد .
حتى العامل الظرفي- الزمني كان قابلا للتجاوز لو اراد العروبيون للعروبة أن تنتج , الا أن اهتمام العروبيون لم ينصب على العروبة المنتجة , بقدر ما انصب على استهلاك العروبة , لقد نهبوا العروبة وتعاملوا معها افسادا وفسادا, كما يتعاملون الآن مع الأوطان , أخذوا من العروبة ما مكنهم من البقاء على الكراسي , تعاملهم معها اتسم بالاستغلال , نهبوها الى درجة التيبس والجفاف, الى أن ماتت رحمة الله عليها ولكم بقاء العمر !.
نظر العروبيون الى الخراب بهم ومن حولهم , الى التمزق والتحارب والتشتت وخيانة الوعود والمبادئ , وجدوا أن العروبة انتجت عكس ما أرادت وأعلنت , لذلك حلت عليها اللعنة والشتيمة , هاهو ممثل سوريا العروبي في الجامعة العربية يطلق اسم الجامعة العبرية على الجامعة العربية, بنظر الكثير من العروبيين تحولت العروبة الى جيفة مقززة للنفس , ولسان حال هؤلاء يسأل كيف يمكن لانسان الحضارة الفينيقية تقبل القمامة البدوية والعيش مع حثالة البشر؟؟؟ …العروبة ليست الحل , قد تكون السورية القومية هي الحل , لأن السورية القومية علمانبة بالدرجة الأولى , لذلك سارع رامي مخلوف محاولا شراء الحزب السوري القومي وتطويبه على اسم العائلة , فشل مخلوف لأنه على كل من يريد الانتساب الى الحزب السوري القومي أن يخضع لدورات تدريبية في مجال التثقيف الحزبي , مخلوف لايتدرب !, انه مدرب ويدرب, وهو اكبر من أن يدربه فلعوص من قسم الثقافة في الحزب , هدف مخلوف كان شراء السوري القومي لاستهلاكه كما تم استهلاك البعث.
لايزال العروبيون يبحثون عن جثة لنهشها , وفي البحث عن الجثة يشترك الاخونج معهم , كلهم يريدون العروبة ولكل منهم ترجمته الخاصة للعروبة , الترجمة الاخونجية تقول أن العروبة هي الدين (مقولة ميشيل عفلق) , والترجمة العروبية تقول بأن العروبة سلطة وتجارة رابحة ,لا اهتمام حقيقي بالوحدة , خاصة الوحدة الداخلية, التي تصدعت , والخارجية التي ولدت ميتة .
لو سأل الانسان الديموقراطي العروبيين والاخونجية عن تصوراتهم بخصوص الديموقراطية , ولماذا لاتسمى سوريا الجمهورية الكردية السورية لأن الأكراد يشكلون حوالي ١٣٪ من سكان سوريا ؟ , هنا يأتي الجواب القاصر , العرب هم الأكثرية لذلك يجوز اطلاق صفة” العربية “على سوريا وهذا الجواب بحد ذاته همجية فكرية , لأن الديموقراطية لاتعني مرعاة الأكثرية وانما مراعاة الجميع , وفي الحقوق والواجبات يتساوى الجميع وفي تسمية البلاد يتساوى الجميع وفي دين رئيس الجمهورية يتساوى أيضا الجميع…استبدال الفرد الديكتاتوري بديكتاتورية الأكثرية أو الغلبة الغالبة لايمت للديموقراطية بصلة , وليس من المستغرب أن تكون ديكتاتورية الغلبة الغالبة أسوء من ديكتاتورية الفرد أو حتى ديكتاتورية أقلية !
الأصل في العروبة هو عنصريتها وبالتالي مقدرتها التفتيتية , والأصل في الاخونج هو عنصريته وبالتالي مقدرته التفتيتية , وما نراه اليوم من تفتت وتشرذم ليس الا دليلا على مقدرة العروبيين والاخوان التفتيتية , فخلال أقل من قرن تمكنوا من تحويل الأوطان الى أطلال ..الى خراب !!