ميرا البيطار , سيريانو :
لاتقتصر الصدمة الحضارية او الثقافية على الشعوب والجماعات كما كان حال المصررين بعد احتلال فرنسا لمصر , ان
الأفراد اي اولئك المهاجرين او اللاجئين في مجتمعات اخرى, ففي هذا القرن المسمى ” فوضوي ” يعيش حوالي ٢٤٤ مليون انسان خارج اوظانهم , منهم ّ حوالي ٦٥ مليون انسان هربوا بسبب الحروب , القسم الأعظم من هؤلاء سوريون
الفرد المرغم على الحياة والاقامة في دول أو مجتمعات أخرى أخرى , قد يعاني خاصة في بداية اقامته في تلك المجتمعات الغريبة بالنسبة له من اعراض مثل القلق والسخط على كل شيئ, يشعر أنه لاهوية له , فهويته القديمة التي جلبها معه لم تعد شغالة في المجتمعات الجديدة , لذا يحاول احياء هذه الهوية وتنشيطها بمختلف الطرق , التي تتطور في اغلب الحالات الى نوع من التطرف في اظهار هذه الهوية , فمن كان في بلاده قليل التدين , يتحول في سياق البرهنة عن امتلاكه لهوية دينية الى المبالغة في التدين , الذي يقابله المجتمع المضيف بشيئ من التعجب الذي قد يتطور الى حالة رفض أو حتى عدائية تجاه الشعب او المجتمع المضيف , كل ذلك يمكن تعريفة بالصدمة الحضارية او الثقافية , التي تمر بعدة مراحل اولها مرحلة شهر العسل , التي تتميز بالانبهار مما تعرف عليه بعد وصوله مباشرة الى المغترب , حيث يرى الأمور وردية, لايستطيع في البداية ان يقيم سوى بالعين , لأن موضوع اللغة لايسمح له بالمزيد من التعرف الأعمق على البلاد , التي عليه العيش بها
مرحلة شهر العسل عادة قصيرة كشهر عسل الزواج , بعدها تأتي مرحلة التعرف الأعمق , ليس عن طريق العين فقط انما عن طريق اللسان اي اللغة وعن طريق العقل والفهم , يأتي اللاجئ او المهاجر الشرقي بعقل منغلق ليتفاعل مع وضع يتطلب عقلا منفتحا , أصلا يأتي هؤلاء اللاجئون من مجتمعات منغلقة تأزمت بسب الانغلاق وبسبب التأزم كانت هناك خلافات تطورت الى حروب , وبالتالي الهروب كالسوريين على سبيل المثال .
قد تقود مرحلة التعرف الأعمق الى الرفض , اي رفض اللاجئ للوضع الجديد او رفض الوضع لللاجئ , وفي هذه الحالة تتعاظم الصدمة الحضارية الثقافية , أو يتم الاندماج وبالتالي يتحول اللاجئ الى مواطن عادي له حقوق وعليه واجبات , ينتهي بذلك موضوع الصدمة الثقافية او الحضارية وينتهي وجود القلق والحيرة والنقمة والرفض وغير ذلك من الأمور السلبية ,
قد تفرض الظروف العائلية او الاجتماعية على المهاجر او اللاجئ , ان يعود الى وطن ولادته ونشأته لمدة قصيرة او طويلة , هنا نلاحظ في بعض الحالات صدمة معاكسة, ولكن باعراض مشابهة لأعرض الصدمة عند المواجهة مع المجتمع الجديد, المجتمع القديم يتحول بالنسبة لللاجئ او المهاجرالى جديد ,اضافة الى المفاجأة بسبب تغير الوطن القديم الى نوع آخر , وتحول المهاجراو اللاجئ الى انسان آخر !,
وماذا يعني تحول المهاجر او اللاجئ الى انسان آخر بصفات غربية أكثر وصفات شرقية أقل , على اساس أن الدول الغربية هي المعنية والمقصودة بالهجرة ؟, يعني ذلك ان المهاجر البسيط الأمي (٦٠٪ من اللاجئين اميون ) , الذي يعيش بالحرية والديموقراطية , سيصاب بترسب هذه القيم الغريبة في لاشعوره وقكرة وطرق حياته .
فكرة ان هؤلاء العائدون سيؤثرون على المحتمعات التي ولدوا بها باتجاه غربي ليست نابية ,بدون أي شك ستزداد نقمتهم على الفساد, وسيزداد رفضهم للديكتاتورية , اللاجئ الذي عايش التظاهرات في الغرب سيمارسها في موطن الولادة , والانسان الذي عايش لسنين ممارسات التمرد المدني سيمارسها في وطن ولادته بشكل اكبر من ممارسته لها قبل هجرته او هروبه , قد تكون العدوى بما يسميه البعض ” المرض الغربي ” طفيفة أو تكون متوسطة الشدة او عالية الشدة , الا أنه ستكون هناك عدوى مهما كانت شدتها , لذا تمثل عودة الهاربين من التعسف والاستبداد قنبلة موقوتة بالنسبة لأنظمة التعسف والاستبداد ….
