ميرا البيطار , ممدوح بيطار :
لاتزال مجتمعات وشعوب هذه المنطقة قاصرة بخصوص استيعاب مفهوم “الوحدة في الاختلاق والتعددية ” ومصرة على فرض التجانس من منطلق التوحيد المريض , ولا تزال عاجزة عن الشفاء من مرض التوحيد والتجانس القسري , فلكي يتمكن الكردي او الأمازيغي من العيش مع العربي , عليه ان يتعرب , واذا لم يتمكن او يريد فسيرغمه السيف لكي يريد , الفكر الديني المحلي يقول بضرورة تجانس الأمة , أي تجنيس الجميع بجنسية فكرية انتمائية واحدة , كتعريبها أو أسلمتها على سبيل المثال.
تعبر نزعة التجانس , التي تطورت حتى الى فرضه بالقوة , عن الشعور الدفين المبهم بوجود نوعا من التفكك الطارئ في حياة شعوب المنطقة , لقد صورت العروبية مجتمعات هذه المنطقة بأنها كانت واحدة متجانسة , بينما تاريخيا لم تكن واحدة ولم تكن متجانسة , فقبل اقامة الأمبراطورية العربية , اي الخلافة , كانت هناك وحدات بشرية كوحدة وادي النيل او وحدة بلاد الشام او وحدة الجزيرة العربية, ولم تكن هناك وحدة طبيعية وطوعية بين مصر والعراق على سبيل المثال , لكن مصر والعراق والمغرب وغيرهم تحولوا بعد الفتوحات الى اجزاء من تلك الأمبراطورية , التي ضمت ايضا الهند واسبانيا وغيرهم , اقامة هده الأمبراطورية عن طريق الاحتلال العسكري مثل رغبة وارادة ومصالح المحتل , ولم يكن تعبيرا عن رغبة وارادة شعوب المستعمرات .
يعود الشعور بالتفكك الى افتراض وجود توحد طبيعي تلقائي طوعي بين شعوب ومناطق تحولت بدءا من قبل مايقارب ال ١٤٠٠ الى وحدة ادارية في اطار الأمبراطورية , ارتبطت هذه الوحدة الادارية بمركز الخلافة كما ارتبطت الهند بمركز الأمبراطورية البريطانية , دون ان يعني ذلك ان الهند وبريطانيا شكلوا وحدة بشرية او جغرافية او ثقافية , الكومنولث ليس اتحاد او وحدة , انما منظومة تتواجد بها دولا مختلفة كأعضاء وليس كأجزاء من بريطانيا ,
افتراض ضرورة اعادة التجانس لم يكن العامل الوحيد الذي دفع العروبين الى بذل كل تلك الجهود من أجل الوحدة وبعث التجانس من جديد , لقد كان لديهم يقين بأن عمر تاريخ هذه المناطق والشعوب كان ١٤٠٠ سنة فقط , اي أن ماقبل ذلك لايمثل تاريخا , اي أنه لاغي, ويجب الغائه بكل وسيلة ممكنة ,من هذه الوسائل كانت المدرسة والتعليم , معظم ماتعلمه المدرسة كان تاريخ تلك القرون الأربع عشر , والأمر لم يقتصر على التعليم , لقد تعداه حتى الى محو اثار ماقبل تلك القرون الأربع عشر , محو الأثار كان بتدميرها وازالتها من الوجود , كما فعل الاستعمار العثماني وكما فعلت داعش بالآثار في تدمر وخارج تدمر.
تحولت الوحدة العربية الى مفهوم خلاصي شكلي , الى دولة شكلية بدون شعب , والى شعب شكلي بدون دولة , كلما ارتفع منسوب الالحاح الهذياني على الوحدة العربية , ارتفع بنفس النسبة تقريبا حجم التفتت واالتجزئة ومحاولات الانفصال , لايتطابق المفهوم الأمبراطوري الخلافي مع المفهوم التاريخي الممتد الى أعمق من ال ١٤٠٠ سنة , لقد برهنت التطورات في القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين عن قدرة مفهوم الوحدة العربية على تحقيق العكس مما ارادت , مما يؤكد اصابة هذا التفكير “بعلة” , وصفها انطون سعادة بالمرض النفسي …
