لداء النبذ الاجتماعي علاقة وثيقة مع البيئة البشرية , التي يتواجد المنبوذ بها ومع خصائص هذه البيئة , بيئة تتعامل مع مبدأ الولاء والبراء في عصر الأوطان هي بيئة مؤهلة للنبذ , فأمر الكافر الذي قد يتوجب على المؤمن قتله هو أمر ولادي , الطفل الغير مؤمن متهم فور ولادته بأنه كافر , وبخصوص الكفر تتراوح المواقف تجاهه بين متقبل له, أو متقبل له على مضض وبين رافض له الى حد قتله عنما يرى المؤمن ضرورة ذلك .
الدعوة الى النيل من الكافر هو أمر يصدح به مشايخ خطب الجمة جهارا ,اللهم فرق شملهم , اللهم انصرنا عليهم ! والمقصود هنا أهل الكتاب , نصوص خطب الجمعة تتراوح بين الدعوة الصريحة لقتل الكافر , وبين ممارسات من نوع عزله اجتماعيا مثل عدم مشاركته في اعياده , تعرفنا على سيل من الفتاوى , التي حرمت على المؤمن تهنئة الكتابي بأعياده ,سيل كبير من النصائح بهذا الخصوص من قبل جمهرة كبيرة من المشايخ , آخرهم كان مفتي الديار العراقية , والقرضاوي لم يكن أولهم .
لايمثل مفهوم الولاء والبراء كل مسببات مرض النبذ الاجتماعي المذهبي , الولاء والبراء هو واحد من العديد من مسببات المرض ,مثل مفهوم خير أمة الذي ينعكس على نفسية المؤمن ويدفعه للتمايز عن مايسمى مشرك , فخير أمة تتوضع في الأعالي , ولمن لاينتسب الى خير أمه تصنيف أدنى بدرجات من تصنيف بشر خير أمة , ثم هناك روافد لخير أمة , مثلا اعتبار الخالق على دين خير أمة ,هناك عوامل أخرى تؤهل البعض للتشرب بعقلية النبذ , والنبذ موجه للآخر مهما كان الآخر , يكفي أنه يتوضع تبعا لمفهوم التوحيد خارج خط الاستقامة كالملحد مثلا أو الكتابي , وحتى بعض الفرق التي تعتبر نفسها مؤمنة , بينما تعتبرها فرقا أخرى تعتبرها كافرة , كالمشلكلة بين أهل البيت وبين الصحابة !
نبذ الآخر ليس حصرا نبذ الكتابي , وانما نبذ المختلف بشكل عام , وحتى المختلف في اطار الدين الحنيف , فما يدعيه قوم علي من مظلومية , ليس الا ترجمة لشعورهم بالنبذ على يد فريق عمر , ممظم لابل كل الحروب في الجزيرة عادت الى شعور فريق بخطر الاندثار والنبذ على يد فريق آخر .
المجتمع الديني التوحيدي نابذ بطبيعته , فالتوحيد يتنافى مع التعددية , والواقع يبرهن سطوة التوحيد وآلية النبذ المشتقة من التوحيد على مسلكية هذه المجتمعات , لم يبق كتابي واحد في الجزيرة العربية , لقد كانت هناك أوامرنسبت الى الخالق لجعل الجزيرة خالية من غير المؤمنين ,وقد تم تنفيذ ذلك فعلا , في العصر الحالي هنك صعوبات كبيرة مع الأكراد والأمازيغ وغيرهم من الاقليات , التي كان عليها أن تتعرب , حتى انه هناك صعوبات لدي اتباع أهل البيت مع الصحابة في مناطق أكثريتها من اتباع الصحابة , والعكس صحيح .
لاتعددية في ظل التوحيد , الذي خص السماء مبدئيا , الا أنه سقط على الأرض , التوحيد يريد الغاء التعددية , وبالتالي تتقزم امكانية العيش المشترك , وتتضخم امكانية التقاتل المشترك , هنا يعاني الابداع ايضا , لأن التعددية تعني الابداع وتعني النسبية ,لا تقدم دون ابداع وفي ظل المطلقية , نتيجة فرض التجانس الديني والثقافي والقومي في تلك المجتمعات كان الفشل والتأخر والتراجع , والشر الأعظم كان بمفهوم الفتوحات , التي تضمنت روح فرض التجانس قسرا , كالشيوعية التي رأت ضرورة فرض التجانس الثقافي -السياسي على العالم فكان نصيبها الانهيار , والخلافة العثمانية أرادت ذلك فكانت ابادة الأرمن والآشوريين وغيرهم من الشعوب ضرورية , بالنتيجة انهارت السلطنة العثمانية على مفهوم التتريك ’,
للنبذ علاقة وثيقة مع التشريعات , التي حولت فئات من الناس الى مواطنين من الدرجة الثانية , مثلا تحديد دين رئيس الدولة وحتى أنه تم ابتداع دينا للدولة , ثم تسلل الشريعة الى الدستور المدني , والحياة في ظل الحسين وزياد وكربلاء وضرورة استنشاق غبار كربلاء وغير كربلاء ,يتقاتلون منذ١٤٠٠ ,وأين هي مصلحة الكتابي في الحياة على أرض معركة ليس له بها ناقة أوجمل,لذا كانت الهجرة والهروب .
جوهر الغريزية النابذة للغير المختلف والمؤسس على ثقافة التوحيد ,كان دائما الحرص على مايسمى ” تجانس” الأمة , التي عليها أن تكون عرقا وجنسا ودينا من صنف واحد, تجلى هدف وممارسة التجانسس القسري خاصة دينيا في الحرص على أسلمة الغير , حتى لو كانت الأسلمة اسمية لفظية , مثل النطق بالشهادتين , ظنا من مجاهدي التجانس , بأن الانتماء اللفظي يدعم تماسك النسيج الاجتماعي , كما حدث مع الانتماء للبعث , ففي البعث “المنفتح والمنتفخ ” لم يكن حتى النطق بشعار وحدة حرية اشتراكية ضروريا.
التجانس القسري يقطع التواصل الاجتماعي ويزرع التعصب , مما يقود الى الصراع والتقاتل , وبالتالي افناء المخالف الأضعف , انظروا الى حال العرب مع الآشوريين على سبيل المثال والى أعداد الآشورين , الذين مثلوا قبل آلاف السنين الشعوب التي عاشت في بلاد الشام خاصة سوريا والعراق , تأملوا اعداد العبرانيين ومنهم يوجد في سوريا ١٥٠ شخص وفي البحرين ٧ اشخاص , تأملوا وضع الأكراد ومحاولة تعريبهم في دولة حرصت اسما على التشدد في تعريب نفسها ,الجمهورية العربية السورية ,الجيش العربي السوري , البعث العربي الخ , فكروا في اندثار الكتابيين في العراق وسوريا , وحتمية اندثارهم في مصر بعد اندثارهم في السودان , تأملوا بوضع الأمازيغ المشابه لوضع الأكراد !
لم يكن العرب المؤمنين سوى نسخة طبق الأصل عن العثمانيين ومشروع عثمنتهعم للغير, مما قاد الى ولادة اشكاليات مستعصية على الحلول العربية المصرة على مزيد من فرض التجانس وبالتالي تعميق المشكلة, لافرق بين أليات سقوط العرب وآليات سقوط العثمانيين , انه التعريب والتتريك !!!!