سمير صادق :
تمكنت معظم المجتمعات المتقدمة من تأسيس دولا معظمها ديموقراطي وتتمتع بمستوى معيشي مرتفع , دولا ذات سيادة وتنعم بالسلم الداخلي والمساواة بين موطنيها ,دولا لاتعرف حروبا داخلية ولا تعرف حالات من الاقتتال البربري , دولا لاينزح سكانها كما نزح السوريون ولا ينتظر سكانها مساعدات الأمم المتحدة كما ينتظر جياع سوريا .
لم يتمكن السوريون من صناعةالمجتمع الضروري لتأسيس “الدولة” بمفهومها الجمهوري ,وما حدث من تطيف وتشرذم واقتتال وتخريب أسقط الكيان السوري في حالة ماقبل الدولة ,بقيت الشعوب عشائر وعائلات وطوائف,كانت لها فرصة جيدة للتحول الى مجتمع ولبناء دولة بعقد اجتماعي ,بدلا من ذلك كان هناك العقد الأمني الذي قاد البلاد الى حالة الانحطاط والدمار .
الدولة الحديثة هي دولة مجتمع وليست دولة شعب, والأصح القول على أنه من غير الممكن حديثا تأسيس دولة دون أن يرتقي الشعب أو الشعوب الى حالة المجتمع,القادر على التفاعل والتطور في اطار الدولة ومفهومها , الذي تأخر حتى عن مفهوم الأمة , بقي مفهوم الدولة ضامرا متقزما ,لم ينخرط العرب في التاسيس للمجتمع الذي يهتم أولا بشروط العيش أكثر من اهتمامه بشروط هوبرة الوطنية والفهلوية , الفهلوي أصبح الشخصية الوطنية التقليدية الممارسة للتعاشق الكسبي مع الوطن , تعاشق يخضع الى أحكام المادية الريعية , وليس كما هو مألوف في العشق وخضوعه لأحكام الحب والقلب .
سرعان ماتم استنزاف الرومانتيكيات الوطنية ,بعد تحول هذه الرومانتيكيات الى دجل ومزايدة وطنية وادعاء فارغ من قبل فئات مدعية استغلت الوطن وحولته الى بفرة حلوب , لهم حقوق ومكاسب وامتيازات بدون واجبات , لقد أصبح التطرف في استخدام وادعاء الوطنيات نوعا من التلفيق الفاجر , وبدوره نسي الوطن ابنائه البررة وتقبل تحويله الى بقرة ,مما قاد الى خيبة أمل والى انقلاب المفاهيم وتشوهها ,النتيجة الحتمية كانت خذلان الوطن من قبل طبقة الدجالين ,وانكفاء المواطن الحق عن التفاعل مع الوطن ايجابيا , تحولت فئة الواجبات الى فقراء وجياع ومساكين لايقتدرون على تغطية حاجاتهم الأساسية لثلاثة ايام في الشهر , وتحولت فئة الدجالين أو فئة رجال الامتيازات الى احتكاريين للاقطاع المادي .
لم تفهم الشعوب الفرق بين الانتصار والنجاح , ظنت الشعوب المستعربة أن جرعة من الانتصارات العسكرية والاحتلالات والفتوحات كافية للشموخ , مع العلم بأن الاحتلالات لاتمثل سوى اعتداء منحط على الغير, لم تكن تلك الانتصارات سوى هزيمة اخلاقية اولا , كما انها لم تكن سوى انتصارات متوهمة , لقد حولوا كل هزيمة في العصر الحديث الى انتصار , لم تترافق كل تلك الانتصارات الوهمية سوى مع التأخر والانحدار ,فشروط الحياة بقيت في ادنى مستوياتها ,كلما ازدادت الانتصارات الوهمية ازداد التأخر وازداد التقهقر الى أن وصلت الشعوب الى ماوصلت اليه , لم تنتبه الشعوب الى حقيقة كون النصرالوهمي لايقود الى النجاح الحقيقي في التأسيس لشروط حياة ترفع من مستوى المواطن, وبالتالي يرتفع مستوى الوطن تلقائيا.
لتحكم مفهوم النصروالانتصار بادراك وعقول العموم اختلاطات وعواقب كثيرة ,منها مثلا ضرورة اختراع منظومة العداء والصداقة , المهم هنا منظومة الأعداء والعداء , وكيف سينتصروا ان لم يكن هناك أعداء ؟ وعلى من سينتصروا بدون عدو ؟, وان لم يكن هناك عدو حقيقة , لذا يجب اختراعه لكي ينتصروا عليه توهما , النصر تحول الى عصاب مقدس جامد طغى على موضوعية تأمين شروط مناسبة للحياة ,وبالتالي انتصار بدون نجاح , وعلى الشعب المسكون بهوس الانتصار دون النجاح في الحياة تم وضع شروط أخلاقية لتكريس الانتصار ,منها التضحية بالذات , التي لاتتجاوز في فاعليتها فاعلية الانتحار المجاني , على الفقيرالجهاد والاستشهاد في سبيل الله والوطن حيث تؤمن الشهادة له نوعا من العدالة الوهمية , فقير الأرض يرقى باستشهاده الى السماء حيا يرزق !, وغني الأرض محتكر الاقطاع المادي يبقى على الأرض حيا يسترزق , كلهم اغتياء اما على على الأرض أو في السماء…هكذا يتم الاستهزاء بعقول الفقراء !!!
ظنوا بأن الانتصار على عدو وهمي بفعل تضحية البعض بحياتهم وبشجاعتهم وبسالتهم هو الشرط الأخلاقي الذي يعلي من شأن الوطن ويؤمن لهؤلاء البعض وللوطن هوية مميزة , دون ادراك كون الهوية خاصة اجتماعية وليست فردية ,أهمل هنا الوضع المجتمعي وافتتن بالأمر الفردي , توهوا بأن وجود بعض “الابطال” كاف للنهوض بالمجتمع , وتنكروا للحقيقة التي تقول بأن النهوض بالمجتمع لايتم الا اذا تحول المجتمع كله الى “بطل”, بكلمة أخرى توهموا بأن الفرد هو الذي يخلق الجماعة …ضالة أساسية !!, الجماعة هي التي تخلق الفرد.
كيف يمكن للنهوض أن يكون ؟؟ وماهي الأوليات ؟؟ اسئلة صعبة الاجابة بدقة وصواب ,الاقتصاد مهم جدا , والتنوير مهم جدا ,والعقلانية مهمة جدا , الشفافية مهمة جدا …الخ ,أعتقد بأنه لايمكن البدء بأي شيئ بشكل جدي وفعال الا في جو ديموقراطي أو على الأقل شبه ديموقراطي , فشقاء الانسان السوري من صنعه , الانسان السوري وقف عائقا أمام نفسه ,انظرواالى ذلك الانسان الذي يسمح للصلاة أن تعرقل دورة عمله اليومي خمس مرات , وعليه التقيد بقوانين السماء وهو على الأرض,انسان مقلوب ومغلوب على أمره ومأسور من قبل ارهاب جهنم وترغيب الجنة ,لايريد المخلوق الحر “مهما كان “متدينا ” تحسين أوضاعه في السماء اذا توفر له تحسينها على الأرض , لاتصدقوا كل مايقال عن الشغف بالسماء , فالشغف بالسماء ليس الا دليلا على وجود جهنم على الأرض!
