ممدوح بيطار :
هنا اصطدم المحمديون وبدرجة أقل العروبيون بخصوص صفقة الدم وعرق الجبين مع بقية البشر على هذا الكوكب ,مما دفع عصبة الأمم في بداية القرن الماضي على تنظيم الأمر بشكل قانون دولي , بعد الحرب العالمية الأولى وشيوع مبادئ الرئيس الأمريكي ويلسون الأربع عشر, تم الاتفاق في عصبة الأمم على الغاء حق الفتح , وعلى تجريم هذا المفهوم, الى جانب الغاء مفهوم الفتح , اعلنت عصبة الأمم رفض الاستعمار والتملك عن طريقه ورفض الاستعباد , ثم اعلاء مفهوم الوطن والمواطنة , تحول الاستعمار والاستعباد الى ممارسات ممقوتة ومرفوضة منبوذة حتى في سياقها التاريخي , اذ لايجوز الالتفاف على رفض الاستعمار عن طريق مفهوم السياق التاريخي , الاستعمار والاحتلال والفتح ممنوع اينما كان وفي أي زمن كان وفي أي حالة كانت , لقد قضي على ثقافة الفتح كما قضي على نموذج ماقبل الدولة المدنية , فلاتبرير للحروب الصلبيبة ولا تبرير لاحتلال القدس أو فتحها من قبل عسكر ابن الخطاب , الاحتلال والفتح ليسوا تحريرا انما استعمار ممنوع قانونيا ومرفوض أخلاقيا , لاتبرير عن طريق تلفيقة التحرير , ولا يمكن أن يكون الفتح تحريرا من استعمار موجود عندما يحل “المحرر” مكانه كمستعمر ويبقى مكانه لعشرات القرون .
لقد كان العرب حقيقة من أكثر المستفيدين من هذا التطور المتمثل بانهاء حق أو مفهوم الفتح , واقرار حق تقرير المصير , الذي مكن العرب من أن يصبحوا أحرارا, وأن تنتهي تبعيتهم للمحتل الفاتح العثماني , الا أن العرب أحرقوا أوراقهم الرابحة عن طريق مسلكية الازدواجية , التي دمرت سمعتهم ومصداقيتهم وأخلاقهم ومنطقهم , لايمكن للمنطق السليم تحمل تفاخر العرب بفتوحاتهم التي امتدت من ريف باريس الى حدود الصين , وفي نفس الوقت استنكار احتلالات غيرهم لأراضيهم .
الغاء حق الفتح كان مناسبة جيدة لأنسنة الوعي السياسي والانساني لشعوب هذه المنطقة , الغاء مفهوم الغلبة المكثفف لمفهوم حق القوة , كان مناسبة جيدة لتعلم اساليب التداول السياسي السلمي , وبالتالي الابتعاد عن العنف الذي قضى على العديد من الدول العربية ..من اليمن الى ليبيا الى سوريا والعراق والحبل على الجرار , الغاء مفهوم الغلبة كان من مصلحة الجهة التي لاتتمكن من التغلب , يبدو وكأن المنطق البدوي لايسمح بالانحياز سوى للغالب والغلبة , ويعتبر الانحياز للمغلوب مغامرة لاتحمد عقباها , لذا انحاز العرب لمن تغلب عليهم, وبذلك مارسوا مايشبه الانتحار !
